والمبالغة في تعظيمه ، وتعظيم جلسته مع اللّه تعالى . قال اللّه تعالى : « أنا جليس من ذكرني » 19 ، ومراقبة القلب ومحافظته وظيفة الإحسان ، فإن الإحسان على ما قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » 20 . فإن التجريد يتيسر لمن أيّد بصدق الإرادة والطلب . ولن يتيسر التفريد إلا بنفي الخواطر التي تشوش عليه خلوته وتكدر عليه ينبوع القلب ، وتفرق حقيقة جمعية الباطن ، وتسلب عن المريد حلاوة الذكر الأكبر ، وهو خلاصة أمر الخلوة وزبدة حقيقة المعاملة . فإذا وصل إلى حقيقة التفريد والأنس باللّه ، تبدّل إلقاء الشيطان بإلهام الرحمن ، وحديث النفس بمكالمة القلب والروح ، أو بمناجاة القلب مع اللّه على اختلاف المراتب .
سابعها : ربط القلب بالشيخ ، وهو عبارة عن تعلّق قلب المريد بالشيخ من جهة الإرادة التامة الكاملة .
ثامنها : ترك الاعتراض على اللّه تعالى ، فإن من لوازم أمر المريد أن يسلم نفسه لرب العالمين ، تأسيّا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « اللهم إني أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمرى إليك . . . » الحديث 21 .
فكذلك المريد يسلم نفسه إلى اللّه ، فلا يعترض على اللّه البتة ، فإن رزقه بسطا شكره عليه ، ويوقن أن الباسط هو اللّه ، وإن ابتلاه بقبض شكره عليه أو صبر فيه ، ويتيقن أن القابض هو اللّه تعالى .
فمن استسلم للّه ابتداء وأسلم وجهه للّه في كل أموره بلّغه هذا التسليم إلى كمال العبودية في الانتهاء . وسبيل المريد في الابتداء أن يؤثر كل ما يخالف نفسه على ما يوافقها ، ولا يسكن إلى ما فيه حظ النفس ، وسبيل البالغ في العبودية أن لا يختار إلا ما اختاره اللّه تعالى .
« ومن تمام شروطها - كذلك - أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربّه ، وخاليا من جميع المرادات إلا مراد ربه ، وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأشياء ، فإن لم يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية » 22 .
واجبات من يشرع في الخلوة :
يقول ابن عربي : « إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ، والأخذ منه بترك الوسائط ، والأنس به ، فإنه لا يصح لك ذلك ، وفي قلبك ربانية لغيره ، فإنك لمن حكم عليك سلطانه ، هذا لا شك فيه ، فلابد من العزلة عن الناس ، وإيثار الخلوة