إلا بأكل الحلال ، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللّه » 14 .
وقال رجل لذي النون المصري : « متى تصح العزلة ؟ فقال : إذا قويت على عزلة نفسك » 15 .
وطريق الخلوة وقاعدته - على ما لخّصه الجنيد - مبنى على ثمانية شروط 16 :
أولها : دوام الخلوة ، فلا يخرج عن خلوته لتفرج ، ولا لإزالة قبض وسآمة وملالة ، ولا لداعية من دواعي الهوى والنفس ، بل يكون خروجه ضرورة في الدين كصلاة الجماعة وشهود الجمعة ، وما هو كذلك .
ثانيها : دوام الوضوء ، عملا بحديثه صلى اللّه عليه وسلم : « استقيموا ، ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن » 17 .
ثالثها : دوام الصوم ، والتقليل من الطعام مستحب لصاحب الخلوة وغيره ، فإنه ما ملئ وعاء شرّا من بطن ابن آدم ، ومع هذا فإن الإفراط في تقليل الطعام مضر بالبدن ويؤدى به إلى ضعف يمنعه عن مزاولة الأعمال ، والقيام بالعبادات والذكر للّه .
رابعها : دوام السكوت عن غير الذكر ، فلا يتكلم إلا مع شيخه ، مقتصرا في كلامه على ما يقع له وأحوال قلبه في القبض والبسط ، وما ابتلى في الخلوة ، وما فتح عليه من المواهب . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » 18 .
خامسها : دوام الذكر ، فإن من شرائط الخلوة المداومة على الذكر بحيث لا يفتر عنه البتة ، ولا يتركه إلا عند غلبة النوم وفي أثناء الصلاة ، ولا يذكر على غفلة من حقيقة الذكر ، فإن الذكر المعتبر هو الذي يوافق فيه القلب اللسان ، ويذكر بقوة ليظهر أثر الذكر في جميع الأعضاء ، لأن ذلك أقوى على نفى الخواطر وتحصيل الجمعية ، فيستأنس باللّه وبذكره . ويستوحش عن الخلق كلهم ، وعن مخالطتهم المانعة عن الخلوة ، حتى يتمكن في الذكر القلبي .
سادسها : نفى الخواطر بأسرها ، برعاية صورة الذكر في معناه ، ولا يلتفت إلى تمييز الخواطر بعضها عن بعض ، فالاشتغال بتمييز الخواطر بعضها عن بعض مضرة . فالواجب الذكر ومعناه ،
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 346
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٣٤٦