التعدي لحدود اللّه تعالى وأمره فقد جعل اللّه لكل شئ قدرا وقال :
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
( الطلاق : 1 ) فصدق الرجاء واعتدال الخشية من حقيقة العلم باللّه تعالى ، ومجاوزة الشئ كالتقصير فيه والمؤمن حقا هو المعتدل بين الخشية والرجاء ، وما لبس المؤمن لبسة أحسن من سكينة في خشوع وذلة في خضوع . فهذان حالان للخشية وهي لبسة الأنبياء وسيما علماء الأولياء .
[ الخشية من مقامات اليقين عند الصوفية ]
هذا . ومقام الخشية والخوف عند الصوفية هو المقام الخامس من مقامات اليقين . قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
( فاطر : 28 ) ، فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها .
والخشية حال من مقام الخوف ، والخوف اسم لحقيقة التقوى والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة اللّه تعالى للأولين والآخرين . يجمع هذين المعنيين قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( البقرة : 21 ) ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
( النساء : 131 ) .
والخشية والخوف من مقام العلم قال تعالى :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
( البينة : 8 ) .
فالخشية والخوف عند الصوفية اسم جامع لحقيقة الإيمان . وهما سبب اجتناب كل نهى ومفتاح كل أمر ، وليس شئ يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخشية وقد جاء عن أبي محمد سهل رحمه اللّه تعالى : كمال الإيمان العلم وكمال العلم الخوف .
والخوف يعنى الخشية .
وكل مؤمن باللّه تعالى يخشاه ويخاف منه ولكن خشيته وخوفه على قدر قربه . قال الفضل بن عياض : إذا قيل لك هل تخشى اللّه ؟ فاسكت ، لأنك إن قلت : لا ؛ كفرت ، وإن قلت : نعم ؛ فليس وصفك وصف من يخشى اللّه .
وشكا واعظ إلى بعض الحكماء .
فقال : ألا ترى إلى هؤلاء أعظمهم وأذكرهم فلا يرقون . فقال : وكيف تنفع الموعظة من لم يكن في قلبه من اللّه تعالى خشية وقد قال تعالى في تصديق ذلك :
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا