خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين .
وأهم ما تقتضيه الخشية عند الصوفية ترك النظر إلى الأعمال وصدق الافتقار في كل حال . ولا يصح خوف العبد ولا تصح خشيته حتى يخشى من الحسنات كما يخشى من السيئات وأعلى منزلة في الخشية أن يخشى سابق علم اللّه تعالى فيه 21 . وأول مقام للخشية هو التقوى والمقام الثاني هو الحذر ثم مقام الوجل ثم مقام الإشفاق ، والخشية لا بد أن تقترن بالرجاء . وكان يحيى بن معاذ يقول : من عبد اللّه بالخوف وددت الرجاء تاه في مفاوز الاغترار ومن عبده بالخوف والرجاء معا استقام في بحر الأذكار . فالخشية حال من أحوال الخوف والخوف حال تصيب المؤمن عند قراءته النصوص التي جاءت في باب الترهيب والوعيد وأشدها ما جاء في ترهيب المشركين في قوله تعالى :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( النحل : 51 ) ، وقال تعالى في خشية المؤمنين :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
( الأنفال : 2 ) .
والخشية تعطى المؤمن صفة الحذر من النفس ومن وساوس الشيطان وهذا مما يحفظه من ارتكاب المعاصي ويزيد من درجة المودع عنده قال تعالى :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
( مريم : 58 ) ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية اللّه وعين باتت تحرس سبيل اللّه » . وقيل في الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز لما اشتهرا به من الخشية والخوف والبكاء كأن النار لم تخلق إلا لهما . وقد تؤدى الخشية عند الصوفية إلى الوجد والتواجد فيذكر الغزالي أن وزارة بن أوفى وكان من التابعين كان يؤم الناس " بالرقة " فقرأ :
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
( المدثر : 8 ) فصعق ومات في محرابه ويروون أن عمر سمع رجلا يقرأ :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ
( الطور : 7 ، 8 ) ، فصاح وخر مغشيا عليه وسمع الشافعي قارئا يقرأ :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
( المرسلات : 35 ، 36 ) ، فغشى عليه 22 .