تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الصوفية في كتبهم عن الخشية وفضائلها . والخشية والرجاء لا يمكن المفاضلة بينهما حتى قال بعضهم : " إن قول القائل أيهما أفضل : الخشية أم الرجاء ؟ كقوله أيهما أفضل : الخبز أم الماء ؟ " . وأيا ما يكن فالخشية والرجاء دواء وإن تداوى بهما القلوب ففضلهما يحسب الداء الموجود . فإذا كان الغالب على القلب الأمن من مكر اللّه فالخشية أفضل وكذلك إذا كان الغالب عليه المعصية ، وإن كان الغالب على القلب اليأس والقنوط فالرجاء أفضل . أما إذا نظرنا إلى موضع الخشية والرجاء فنستطيع أن نقول إن الرجاء أفضل لأن الرجاء يستقى من بحر الرحمة والخشية تستقى من بحر الغضب . والأفضل للمؤمن الاعتدال من حيث الخشية والرجاء ، ولذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا . وقال أحد السلف : لو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل ، ولو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ، وعلق ابن قدامة المقدسي على ذلك بقوله : " وهذا ينبغي أن يكون مختصا بالمؤمن التقى " 15 . وينبغي - كما يقول الصوفية - أن تتساوى الخشية والرجاء في قلب المؤمن . وهذا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يسأل حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه هل أنا من المنافقين . وإنما خشي عمر أن تلتبس حاله ويستتر عيبه عنه ، فالخشية المحمودة والخوف المحمود هو الذي يحث على العمل ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا 16 . وأما عند نزول الموت فالأصلح للمؤمن الرجاء ، لأن الخشية إنما طلبت للحث على العمل وليس ثمة عمل .

مقامات الخشية وبواعثها :

يرى الصوفية أن الخشية لها مقامات : المقام الأول : الخشية من عذابه وهي خشية عامة الخلق ، وسببها ومصدرها الإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية . وتضعف هذه الخشية بسبب ضعف الإيمان أو قوة الغفلة . والمقام الثاني : الخشية من اللّه تعالى ، وهي خشية العلماء العارفين ، قال تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ * *
( آل عمران : 30 ) ،
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 328 | محمود حمدي زقزوق