بالخشية منهم لأننا لسنا بمنزلتهم وإنما أمنّا لغلبة جهلنا وقسوة قلوبنا ، فالقلب الصافي تحركه أدنى مخالفة والقلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ ، ويرى الصوفية أن الخشية أورثتهم الحزن الدائم والهم المضنى فشغلوا عن سرور الدنيا ونعيمها واتخذوها مطية إلى ساحة الإقبال على اللّه فعقلوا عن اللّه - بفضله - أوامره وفقهوا - بتوفيقه - نواهيه ، وجعلوا الأمر والنهى سياج أعمالهم بهما يتحركون ويسكنون ، ولا يراهم اللّه حيث نهاهم ولا يفقدهم حيث أمرهم ، علماء باللّه يخوضون بحار العلوم والمعرفة تفقها في دين اللّه واستطلاعا لجلال اللّه في بديع صنعه .
والخشية تقتضى أن تكون القلوب معلقة بوشائج الرجاء في رحمة اللّه والخوف من مكره ، ومن يخشون اللّه لا تطمئن أنفسهم إلى عمل من الأعمال فيظمئون نهارهم ويسهرون ليلهم توابين أوابين قوامين بالقسط شهداء على أنفسهم بالقصور والتقصير في جنب اللّه ، ومن في حال الخشية يتشوقون عند تلاوتهم لكتاب اللّه إلى ما أعده اللّه لهم من جزاء الرضا والرضوان لأحبابه وأوليائه وترتعد فرائصهم فزعا من سخطه وتفيض أعينهم من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون في سبيل اللّه ، عكوف في مجالسهم على محبة اللّه ، مصفرة وجوههم ، نحيلة أجسامهم ، يابسة جلودهم ، لا يطفئ نور يقينهم نور علمهم ، مرهفة أسماعهم إلى نداء الحق فإذا سمعوه انتفضوا كأنهم أرواح منطلقة من سجنها ، وإذا استنفروا جهادا لإعلاء كلمة اللّه نفروا باذلين أنفسهم للّه كأنهم أسد الشرى تدفع عن عرينها ، وتذود عن أشبالها ، فرحين بنداء ربهم ، يقينهم محصن بالعلم ، وعلمهم معتمد على اليقين ، إيمانهم شهود ومنتهى معرفتهم باللّه هي عجزهم عن الوصول إليها . فالعجز عن درك الإدراك إدراك .
ووصل حد الخشية بابن أدهم - كان من أبناء الملوك - أن خرج عن ملك الدنيا إلى اللّه تعالى يطلبه في عز طاعته وكان يأكل من كسب يده ، يعمل للناس ويضرب لهم اللبن من الطين ويحرس البساتين 19 . كل ذلك سببه الخشية من اللّه تعالى .
ومع هذا فإن المبالغة في الخشية غير محمودة عند الصوفية يقول : أبو طالب المكي : إن المبالغة في الخوف والخشية من
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 330
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٣٣٠