تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ومجراته ، حتى سمعوا تقديس الكائنات لربها ، وشهادتها على نفسها بالعجز ، كلام بلا حروف ولا أصوات ، بحيث لا يسمعه كل من هم عن السمع لمعزولون ، وعلموا أن لكل ذرة من ذرات الكون مناجاة مع خالقها بلغتها الخاصة بها ، المستمدة من بحر كلمات اللّه التي لا تتناهى ، وعرفوا أنها تتناجى مع بارئها بأسرار عالم الملك والملكوت ، وعلموا أن إفشاء هذه الأسرار لؤم فجعلوا صدورهم قبورا لها ، وضنوا بها على غير أهلها حفظا وتكريما لأسرار الأمانة التي أودعها اللّه - سبحانه - في قلوبهم ، تحقيقا لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا ذكر القدر فأمسكوا » 13 . وعند هذا المستوى من رؤية الحقيقة الكونية زلت أقدام وضلت أفهام آخرين ، فصرح بعضهم بالقول بالحلول والاتحاد وصرح بعضهم بوحدة الوجود ، وصرح بعضهم بإسقاط التكاليف الشرعية ؛ لأنها عندهم من حظ العوام ، وصرح بعضهم بأنه على قدر من العلم بالغيوب التي عزت على الأنبياء ، وكل ذلك كان سببه - عندهم ، أنهم أهل الحقيقة . وأنهم رأوا الحقيقة الكونية ، وأنهم أصحاب العلم ، فظهر نوع من الغلو في التعبير عن هذه المقامات في كتابات بعضهم أمثال التلمساني والحلاج وابن الفارض والرومي وابن عربى وغيرهم ، جعلت الكثير من كبار الصوفية وأئمتهم يتبرأون منها ويردونها على أصحابها . ومن منطلق رؤيتهم للحقيقة أخذ بعضهم يشرح نظرية الخلق قائلا : تجلى الحق لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق . وجرى في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف ، وشاهد سبحانه ذاته في ذاته ، وفي الأزل حيث كان الحق ولا شيء معه ، نظر إلى ذاته فأحبها ، وأثنى على نفسه فكان هذا تجليا لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد ، وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية ، ثم شاء الحق أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها فنظر في الأزل . وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه وهي آدم . . والذي