تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وبين هذه المراتب تتفاوت درجات المحققين العارفين وتترقى حتى يصلوا إلى مشاهدة الحقيقة ، فيروا بالمشاهدة العيانية أنه ليس في الوجود إلا اللّه . وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؛ لأن كل شيء إذ نظرت إليه باعتبار ذاته فهو عدم محض ، فهو هالك أزلا وأبدا ، ولا يمكن تصوره إلا كذلك ، وإذا نظرت إليه باعتبار خالقه كان وجودا فإذا لا موجود إلا اللّه . والعارفون ليسوا في حاجة إلى قيام القيامة حتى يسمعوا هذا النداء . كل شيء هالك إلا وجهه ؛ لأن هذا النداء لم يفارق أسماعهم ، وقد اتفق العارفون أنه بعد عروجهم إلى سماء الحقيقة لم يروا في الوجود إلا اللّه الواحد الحق ، وعند ذلك انتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة ، واستهامت فيه عقولهم ، ولم يبق فيها متسع لغير ذكر اللّه ، فلما لم يبق عندهم إلا اللّه فكرا وسكرا وقع دونه سلطان عقولهم ، فقال بعضهم : أنا الحق . وقال الأخر : سبحانى ما أعظم شأني . وقال الثالث : ما في الجبة إلا اللّه 11 . ومن هذا ( المقام ) يتكلمون عن حقيقة التوحيد ويعرفون الموحد الحق بأنه الذي لم يحضر في شهوده غير الواحد . فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه ربما كان واحد ، وهذا هو غاية التوحيد وحقيقته عندهم 12 بخلاف توحيد العوام الذي مجرد نطق باللسان دون تصديق بالجنان ولا فائدة فيه . وإذا سأل سائل كيف يرى الكل واحدا ، مع أن الكثرة ماثلة في العيان ، كان الجواب إن هذا هو غاية علوم المكاشفة . وأسرار هذا اللون من العلوم لا تتسع الألفاظ للتعبير عنها ، ولا تسطر في كتاب ، وقد قال المحققون منهم ؛ إن هذا سر الربوبية ، وإفشاء سر الربوبية كفر . وفوق ذلك فإن هذا العلم ليس متعلقا بعلم المعاملة ، والفرق بينهما أن المحقق وهو في عين الجمع لا يرى إلا الواحد في كل شيء فليس هناك كثرة ، وغيره ملتفت إلى الكثرة فلا يرى إلا التفرقة . وأهل الحقيقة وأرباب المشاهدات قد أنعم اللّه عليهم بفهم لغة الكون ، ذراته