قلب العارف .
فالاختلاف بين الأديان كما يرى هؤلاء ليس حقيقيا ولا ذاتيا ، بل يرجع سببه إلى اختلاف القلب القابل للمعرفة ؛ ولهذا يوصى بعضهم ألا ( . . . تصل نفسك بعقيدة بعينها كل الوصل ، فتكفر في البقية . . . ولم تستطع أن تصل إلى الحق الصراح في الأمر ؛ لأن الإنسان يمجد ما يعتقد ، فإلهه مخلوقه ، ولذلك فهو يعيب عقائد الآخرين 8 .
وذهب بعض هؤلاء إلى القول بأن الأديان كلها للّه عز وجل ، شغل بكل دين طائفة ، لا اختيارا منهم بل اختيارا عليهم ، فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه ، وهذا مذهب القدرية ، والقدرية مجوس هذه الأمة . واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسامي متمايزة ، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف 9 .
وتحتل قصة موسى والخضر مكانة كبيرة في التراث الصوفي ، حيث يستدلون بها على أن شهود الحقيقة والوقوف عليها قد لا يتاح لكل العارفين ؛ لأنها ليست كسبا يصل إليها العارف بالرياضة فقط ، بل إنها عطاء ووهب إلهي لمن اصطفاه اللّه واختاره واجتباه من عباده ، وليس كل العارفين مؤهلين لهذا الاجتباء ولا مرشحين لهذا الاصطفاء ، فاللّه أعلم حيث يجعل هبته في قلوب من يشاء من عباده .
ولم يكن غريبا عندهم أن يصرحوا بأن أهل الحقيقة قد يعلمون من الأمور ما يجهله غيرهم - حتى الأنبياء - كما كان الخضر يعلم أمورا يجهلها موسى النبي ؛ فقد سأله موسى عن قصة السفينة والجدار والغلام ، التي أوردها القرآن في سورة الكهف . ولما كان الخضر من أهل الحقيقة فقد أجاب موسى عن الحقيقة التي سأل عنها لجهله بها ، وكثر الحديث عن هذا الشأن في تراث الصوفية ، ف كل منهم وظف هذه القصة بطريقته الخاصة يثبت لنفسه ولغيره أن أهل الحقيقة يعلمون من الأمور ما يجهله أهل الشريعة .
والحقيقة التي يتحدث عنها هذا النمط من الصوفية هي الحقيقة الكونية
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 299
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٩٩