بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة ، واستهوت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ، ولم يبق فيهم متسع لغير ذكر اللّه ، ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلما لم يبق عندهم إلا اللّه ، فكرا وسكرا ، وقع عنده سلطان عقولهم فقال بعضهم : أنا الحق ، وقال الآخر سبحانى ما أعظم شأني . وقال الآخر ، ما في الجبة إلا اللّه .
وكلام العشاق في السكر يطوى ولا يحكى ، وتسمى هذه الحال عند البعض اتحادا ، وبلسان أهل الحقيقة تسمى توحيدا ، ووراء هذه الحقيقة أسرار لا يجوز الخوض فيها 17 .
وقد تكلم الصوفية عن درجات العارفين ومراتبهم في الوصول إلى الحقيقة ، فتكلموا عن الشيخ القطب والنقباء والإبدال والنجباء ، وكلها مراتب للأولياء السالكين طريق الحقيقة ، لكل مرتبة منها مكانها ومكانتها في المعرفة حتى يصل السالك إلى مرتبة الأبدال فيقف على معرفة الغيب فيعلم منه ويعلّم .
وقد وصف ابن عربى صاحب هذا المقام فقال : إنه مطّلع على الغيب من غير حجاب ، جمع الخير ويتحكم بالمشيئة لا بالاسم ، قد استوت طرفاه فأزله مثل أبده ، تدور عليه جميع المقامات ولا يدور هو عليها ، له يدان يقبض بهما ويبسط في عالم الغيب والشهادة عن أمر الحق ، ولاية وخلافة ، حمال أعباء المملكة ، وله في الكون وقائع مشهودة ، متفرد بلا انفراد ، متواتر الأحوال ، ذو نور طامس شعاعاته محرقة ، وإرادته مقلقة ، يرد عليه ما لا يعرف 18 .
وكبار الصوفية يعتذرون عن العبارات التي صدرت عن أصحاب هذه الأحوال يفهم منها الحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود . ويقولون إنهم في حال فنائهم عن ذواتهم صدرت عنهم هذه العبارات ، ولا يصح أن تحكى عنهم ؛ لأن ما يقال في حال السكر يطوى ولا يحكى 19 .
ويصور لنا الجنيد - سيد الطائفة - ضرورة الربط بين الظاهر والباطن ، بين الشريعة والحقيقة ، في حوار جرى بينه وبين أحد المريدين ، وضح فيه ضرورة الربط بين عمل الجوارح في عمل القلب بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر . فلقد
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 305
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٣٠٥