تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
التي يخضع لسلطانها كل الموجودات ، ما عظم منها وما صغر . أما الحقيقة الدينية فلا يقفون عندها ؛ لأنها من نصيب العوام فقط ، وهذا بخلاف أئمة الصوفية الكبار الذي يجمعون في موقفهم بين الحقيقتين الدينية والكونية معا . ولا يفرقون بينهما ، ويرون أن الشريعة بلا حقيقة نفاق ، والحقيقة بدون شريعة إلحاد . والحقيقة التي يتكلم عنها الصوفية لا يمكن الوصول إليها عن طريق البرهان العقلي ولا الجدل الكلامي ولا مطمع لأحد فيها بتحرير العبارات وتنميق الكلمات ، بل الطريق إليها يكون بالإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى ، والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، ويبدأ السالك طريقه بإحياء القلب بالذكر والدعوات والرياضات النفسية ، وتبدأ معها المشاهدات والمكاشفات ، ثم يترقى العارف درجة بعد درجة حتى يقف على حقيقة الأمر كما هو عليه في نفسه ، ويرى الأمور كما هي في اللوح المحفوظ ، يقول الإمام الغزالي : لم يحصل له ذلك بنصب دليل ولا إقامة البرهان ، بل هو نور يقذفه اللّه في القلب فيغمره من حيث لا يدرى . وقد يسمى البعض هذا لونا من المعرفة الدينية تأثرا بقصة موسى والخضر الذي قال عنه القرآن الكريم
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
( الكهف : 65 ) ويرشدنا العارفون إلى أن هذه الحقيقة لا يكشف عنها إلا لأصحاب القلوب الصالحة ؛ لأن تكون محلا لها . وأمينة على أسرار الغيوب التي تنكشف لها ، والتي قد يعجز العقل عن فهمها وإدراك معناها 10 . وتتفاوت درجات أهل الحقيقة في هذا المقام حسب استعداد قلوبهم لتقبل ما يفيض عليها من الحقائق بين الولي والنبي ، ويشبه الغزالي ما يفيض على قلوب المحققين من المعرفة بضوء القمر الذي يدخل البيت من نافذة حقيقية فيقابله سطح مرآة عاكسه للضوء على الأرض ، فيراه الناظر فيعلم أن الضوء على الأرض تابع لما على المرآة الموجودة على الحائط ، وما على المرآة تابع لما في القمر ، وما في القمر تابع لما في الشمس ؛ إذ منها يشرق النور على القمر . وهذه الأنوار يتبع بعضها بعضا ، وبعضها أكمل من بعض وأعلى مقاما ، ولكل درجة منها مقام يخصه ،
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 300 | محمود حمدي زقزوق