يعذبون ، وكأني أنظر إلى عرش ربى بارزا . من أجل ذلك أسهرت ليلى ، وأظمأت نهارى ، فقال الرسول : « يا حارثة عرفت فالزم » 4 . فلقد أشار الرسول صلى اللّه عليه وسلم في حديثه إلى أن لكل حق حقيقة ، وأشار حارثة إلى ما تحققه في مقامه من مصائر أهل الجنة وأهل النار ، وكأنه شاهدهم بأم رأسه عيانا ، وقد نصبت موازين الأعمال تحت عرش الرحمن الذي تحققه حارثة بارزا للحساب يوم القيامة ؛ فبات ليلة قائما وقضى نهاره بالصوم والعبادة فكرا وتأملا .
كما أن بعض المحققين من أهل المعرفة يربطون حديثهم عن الحقيقة والشريعة بموقفهم من المعرفة ومستوياتها ، فيقف بعضهم عند مستوى الظاهر من القول ، مكتفيا بالأوامر والنواهي التي نزل بها ظاهر الشرع مستدلا على صحة موقفه بحال الصحابي الذي سأل الرسول عن عمل يدخله الجنة . فأشار الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الالتزام بأوامر الشرع ونواهيه ، من الصلاة والصيام والزكاة والحج . فقال الصحابي : هل على غيرها ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا ، إلا أن تطوّع » فقال الصحابي واللّه لا أزيد ولا أنقص . فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الرجل » .
بينما يرى أئمة القوم ضرورة النفاذ إلى باطن الشريعة والوقوف على أسرارها واستبطانها ؛ بحثا عن معاني التخلق بأخلاق اللّه والعيش تحت ظلال أوصافه سبحانه ، تحقيقا لحديث الأولياء المشهور الذي جاء فيه « . . . وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها . . . » إلخ الحديث ، وما لم يتحقق السالك هذه المعاني في طريقه إلى مقام الحضرة الإلهية يكون من أهل الظاهر والشريعة ، وليس من أهل الحقيقة التي عبر عنها القوم - بعبارتهم - بأنها ( سلب أوصافك عنك بأوصافه - كما أسلفنا - بأنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ) . حيث يعتقد أهل الحقيقة في هذا المستوى أن قلب العارف كالمرآة تنعكس فيها صفات الخالق ، وتنعدم صفات المخلوق ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ،
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 296
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٩٦