السائرين إلى اللّه ، وهي العبادات التي ظاهرها أجور ، وباطنها حضور ، وباطن باطنها نور على نور . ويربط القاشاني بين الذكر والحضور في تأويله لقوله تعالى
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
( الكهف : 24 ) .
وهي تعنى الرجوع إلى اللّه ، والحضور إليه " اذكر ربك " بالرجوع ، أي الحضور ، إذا نسيت بالغفلة . فالذاكر هو جليس اللّه ، والحاضر بين يديه ، ينال الذاكر من الأسرار والعلوم ما شاء اللّه . وحضرة اللّه لا يرد عليها أحد ويفارقها بغير مدد ، ويسأل من ادعى حضوره بقلبه في ذكره مع ربه تعالى : ماذا أتحفك وأعطاك في هذا الحضور ؟ فإذا قال : ما أعطاني شيئا . قيل له : وأنت الآخر لم تحضر معه في ذكره ، فأنت كنت في غفلة عن اللّه ، لم تحظ بالقرب منه . يقول " مخمش الجلاب " صحبت أبا حفص اثنتين وعشرين سنة ما رأيته ذكر اللّه تعالى على حد الغفلة ، وما كان يذكره إلا على سبيل الحضور والتعظيم ، فكان إذا ذكر اللّه تغيرت عليه حاله ، حتى كأن يرى ذلك منه جميع من حضره 29 .
كما يؤكد الخراز ( ت 279 ه ) هذه الفكرة قائلا : " إذا أراد اللّه أن يوالى عبدا فتح له باب الذكر ، فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجلس الأنس ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجاب وكشف عنه الجلال والعظمة ، فإذا نظر الجلال والعظمة بقي بلا هو ، فيصير فانيا بارئا عن دعوات نفسه محفوظا للّه ، فكل من فنى في ذكر اللّه فإن روحه شهدت جمال الحضرة 30 .
كما يربط الغزالي ( ت 505 ه ) بين الذكر والحضور فيرى أن أول مبادئ السالك أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسرى الذكر في أعضائه وعروقه ، وينتقل الذكر إلى قلبه ، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظا لمطلوبه مستغرقا به ، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته ، ثم يفنى عن كليته ، فحينئذ ينجلى الحق على قلبه ، ويغلب عليه السكر ، وحالة الحضور والجلال والتعظيم .
ويحذر الصوفية من الغفلة عن ذكر اللّه ؛ لأن الغفلة تحرم الإنسان من الحضور أو التواجد في الحضرة الإلهية قال الجنيد :
" الغفلة عن اللّه تعالى أشد من دخول النار " 31 .