السبيل ، ولا مستجير من دواعي الريب ، ولا محجوب من نعت الغيب 19 .
فالمكاشفة أول منزل من منازل قسم الحقائق ، وأول ما يبدو من الصفات والحقائق الإلهية أو الكونية لسير السائر من وراء ستر رقيق خلف حجاب شفاف من اسم إلهي مقيد بحكم ، ومختص بوصف .
فأول التجليات التي يراها السائر في سيره من الحقائق الإلهية تسمى مكاشفة ، وهي على درجات ، أعلاها شهود أحدية الذات في صور الصفات في مقام البقاء بعد الفناء ، ثم تأتى المشاهدة ، وفي هذه الدرجة يفنى المريد عن نفسه ، ويظل باقيا في ذلك الفناء لا أثر فيه للبقية من نفسه ، وهو في ذلك البقاء يشهد أحدية الذات ، وهو شهود بالحق للحق .
وتأتى المشاهدة بعد المكاشفة ، ويترقى السالك درجة فينزل منزلة المشاهدة ، وهي " رؤية الحق من غير تهمة 20 . يقول الجنيد : حقيقة المشاهدة " وجود الحق مع فقدانك ؛ فصاحب المحاضرة يهديه قلبه ، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه ، وصاحب المشاهدة يفنى سره " 21 .
وقيل : إن المشاهدة إدراك الغيوب بأنوار الأسرار عند صفاء القلوب من الأدناس ، وخلوصها من الأضداد والأغيار في مراقبة الجبار ، فيصير كأنه ينظر إلى الغيب من وراء سر دقيق من صفاء المعرفة ، وورود اليقين .
وهذه المعاني الثلاثة - المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة ، تتداخل فيما بينها فلا يتم تجل إلا بعد رفع حجاب الحس ، أي أثناء عملية الكشف ، أو الذوق ، أو المعرفة الصوفية ، ولا يتم الكشف إلا بالتواجد ، والحضور في سياق الحضرة الإلهية قال تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( سورة ق : 22 ) .
وهذا هو معنى الكشف والحضور الإشراقى ؛ إذ لا ينقدح زناد المعرفة الإشراقية إلا أثناء الحضور الإشراقى 22 .
وقد تبنت الصوفية مسلكا للقيام بالذكر لتحقيق الحضور ، كما عقدت له بعض الطرق الصوفية مجالس عرفت باسم الحضرة ، يذكر فيه اللّه بمجموع من الأدعية والأذكار والأوراد ، صارت هذه الحضرة تقليدا جماعيا يمارسه أصحاب الطرق الصوفية من أجل تحقيق الحضور الإلهى ، أو الوصول إلى الحضرة القدسية .