خامسا : الذكر والحضور :
الذكر معناه " إحضار القلب مذكوره ، ومواجهته إياه ، واستمراره على ذلك إلى حد تنطمس فيه موارد الزهو والنسيان " 23 .
والذكر معناه التخلص من الغفلة والنسيان ، فالذاكر يستحضر مذكوره فلى قلبه فهو حاضر مع ذلك الذاكر ، وناس لما سواه من الأغراض والرغبات ، فإذا استمر ذلك أورث استغراق الذكر مع مذكوره غيابه عن ذكره 24 .
ويؤكد الصوفية على الذكر باعتباره وسيلة لتحقيق الحضور مع اللّه ، فالذكر حضور أعلى من الحضور البرهاني ، وإن كان الجسد مستغرقا في النوم ، فالذاكر قائم وإن نام ؛ لأنه نام على حب اللّه ولا يلهيه عنه لاه مما يتلهى به الغافلون .
والذكر بالقلب معناه إحضار الشيء في الذهن ، والذكر باللسان معناه التلفظ بالشيء ، والذكر هو تمجيد اللّه بعبارات محددة معينة تردد بحسب ترتيب الشعائر ، ويكون ترديدها إما جهرا أو سرا ، وثمة خلاف كبير بين الصوفية حول أفضلية أحدهما على الأخر 25 .
وقد تأتى للمريد أثناء الذكر بعض الوساوس تجعله غافلا عن ذكر اللّه فيحذر الصوفية من ترك الذكر في الحالة ، بل لأن من متابعة الذكر ؛ لأن الغفلة من الذكر شر من الغفلة فيه .
ويؤكد الغزالي ( ت 505 ه ) على عظمة عبادة الذكر ؛ لأن ذكر اللّه سبحانه وتعالى مع خفته على اللسان وقلة التعب منه صار أنفع ، وأفضل من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها ، ويرشد العبد لكي يحقق الحضور قائلا " اعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة ، إن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب ، أما انخراط الصوفي في الذكر وقلبه غائب عن اللّه أو منشغل بالدنيا يجعل الذكر قليل الجدوى ، فالذكر النافع يستلزم حضور القلب الدائم مع اللّه ، ويكون الذكر على هذه الصورة هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات .
وبالذكر يقترب الصوفي من اللّه ، ويحضر إلى حضرته القدسية ، فالقرب الذي يتكلمون عنه ليس قربا مكانيا ، وإنما هو قرب روحاني خاص بالوجود الإلهى ، والقرب حال يشعر به المريد ،