تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فيتمثل اللّه دائما في كل خطوة يخطوها ، بحيث يدرك أن اللّه تعالى أقرب إليه في كل آن من حبل الوريد . ويفسر الجنيد هذا القرب بقوله : إن اللّه تعالى يقرب من القلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه ، فالغافلون يعيشون في حلم اللّه ، والذاكرون يعيشون في رحمه اللّه ، والعارفون يعيشون في لطف اللّه ، والصادقون يعيشون في قرب اللّه 26 أي في حضرته . وكان أبو الحسن الشاذلي ( ت 656 ه ) يسعى إلى هذا الحضور ، فيناجى ربه في دعائه قائلا : " إني أسالك أن تغيبنى بقربك منى حتى لا أرى ولا أحس بقرب شيء ، ولا ببعده عنى " 27 . وبعد القرب يحظى العبد بالتمكن ، والدرجة العليا منها هي الاستقامة المطلقة في أحدية الجمع والفرق ، ورؤية الخلق في عين الحق . وهذه الدرجة هي تمكن العارف ، وهي الدرجة التي يستريح فيها من الطلب ، ويستقر فوق المقامات ، ويبقى العبد بعد أن يفنى ، فعندما يصل إليها يفنى عن وجوده في هذه الحضرة ، وهي حضرة الجمع ، فيصير بقاؤه إنما هو بوجود ذات الحق تعالى ، فالعارف يفنى وجوده في جود الحق تعالى ، ولا يكون موجودا إلا بوجوده تعالى ، فصاحب هذا التمكين وصل ثم اتصل ، فالسالك وصل لنهاية الاستقرار في الحضرة التي يفنى فيها الخلق جميعا ويبقى هو وحده 28 ولكي يتوصل الصوفية لهذا القرب وهذا الحضور القلبي بالحضرة الإلهية يأخذون في الذكر في مجالس جماعية تسمى مجالس الذكر أو الحضرة يذكرون فيها اللّه بمجموعة من الأدعية والأوراد والأذكار والمدائح النبوية ، وقد يصاحبها الموسيقى وبعض الحركات الإيقاعية . ويعد الذكر هو القطب الذي يدور عليه التصوف كله ؛ لأن الصوفية يتشبهون في مسلكهم بخاصة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي أوصاه اللّه بهم في قوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
( الكهف : 28 ) . ويعد الصوفية الذكر سلم الواصلين من السالكين إلى الحضرة الإلهية ، وهو يحرس الجوارح ، ويحفظ الوقت ، ويفتح أبواب الأنس ، ويطبع في النفوس رسوم العبودية ، ثم يمنحها منشور العتق ، ويضمن الخير بكل حال ، ويجدد قوافل