تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
الحضرة الإلهية ، وتستقر به الأحوال ، وتفيض عليه التجليات ، وإشراقات الأنوار . تبدأ المعرفة الأولى في إطار المنهج العقلي الاستدلالي ، ثم ما تلبث أن تتطور إلى معرفة نابعة من القلب ، غير مفتقرة إلى دليل وبرهان ، وصولا إلى ساحات المعرفة الإلهامية ، والإشراقات التي يباشرها الصوفي في النهايات . ويتدرج الطريق الصوفي من المحاضرة ابتداء ، ثم المكاشفة ، ثم المشاهدة ، والمحاضرة ، تأتى تعبيرا عن استقبال المريد بدايات الخواطر والواردات ؛ فالمحاضرة هي العمل على " حضور القلب " 18 ، وقد يكون بتواتر البرهان ، وهو بعد وراء الستر ، وإن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . وفي المحاضرة يكون الصوفي حاضر القلب بتأثير الذكر الدائم باللسان ، والقلب في الخلوة ، الناتج عن بدايات طريق اليقين ، والمريد في هذه الفترة ، يستعين بالبراهين والدلائل الكلامية في مدافعة الخواطر والهواجس التي تهاجمه في الخلوة بغرض صرفه عن الذكر ، وشغله بنفسه وحظوطها عن قطع الطريق . وصاحب المحاضرة - في هذا الوقت - ما يزال متعلقا بباقي النفس ، يعالج آفاتها ، ويروضها على ما أقدمت عليه من خلوة وسهر وذكر وجوع وصمت ؛ ولذلك فهو يناقش ويحاور ويجادل نفسه بهدايات عقلية استفادها من علوم الظاهر . إذن فالمحاضرة هي معايشة الصوفي لأسماء اللّه الحسنى بالذكر الدائم والمتواصل وبقلب حاضر حضور القلب مع الحق في الاستفاضة من أسمائه ، فأسماء اللّه الحسنى هي المعين الذي يتزود منه الصوفي مع ثبات أقدامه في طريق السلوك إلى اللّه ومعراجه الروحي . ثم تأتى المكاشفات على قلبه وروحه كنوع من المكافئة التي يهبها اللّه له ، فينبعث العلم من قلبه على شكل إلهامات ، يسميها الصوفية بالحدس . فيبدأ في هذه المرحلة يتخلى عن براهينه العقلية لحساب يقينه القلبي ، فيستدل بالحق على الخلق ، وبالصانع على صنعته . ففي المرحلة الأولى - المحاضرة - يكون محجوبا بالكون عن الغيب ، أما في مرحلة المكاشفة يصير مطالعا للغيب وتجلياته . يقول القشيري ( ت 465 ه ) المكاشفة " حضوره لبعث البيان غير مفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل ، وتطلب
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 281 | محمود حمدي زقزوق