والكمال ، حينئذ تكون الغيبة أشد .
فالحضور هو حضور العبد بالحق بعد غيبته عن الخلق ، وذلك بسبب استيلاء ذكر الحق على قلبه ، ودوامه منه ، وحضوره بالحق بقدر غيبته عن الخلق ، ثم يكون مكاشفا في حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق فيها ، وقد يقال :
حضر العبد بمعنى عاد من غيبته .
ويرتب الصوفية العارفين في مراتب تتناسب بحسب تحققهم من الحضور وأعلى هذه المراتب مراتب الأنبياء ، يليهم الصديقين . يذكر الجنيد ( ت 298 ه ) هذه المراتب بقوله : " كلام الأنبياء بناء على حضور ، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات 16 .
وللعبد أفعال وأخلاق وأحوال ، الأفعال هي تصرفاته الاختيارية ، والأخلاق طباعه النظرية ، لكنها تتغير وتتبدل على مر الأيام ، والأحوال ترد على العبد ابتداء ، وصفاؤها إصلاح أعماله .
ومتى فنى العبد من الأعمال والأخلاق والأحوال يزول إحساسه عن كل ذلك ، ويستولى عليه سلطان الحقيقة ، فهو حاضر بالحق ، غائب عن نفسه وعن الخلق .
ويبدأ المريد بالغيبة عن رسوم العادات ومذموم الأخلاق ، ثم الغيبة عن حظوظ النفس ومتع الدنيا ولذاتها ، ويترقى في أحوال الغيبة حتى يغيب عن الخلق وأفعاهم ، وربما كان بينهم وهو غائب عنهم ، فلا يشهد أقوالهم ، ولا ينظر إلى أفعالهم حتى يصل إلى حد الغيبة عن الإحساس بالنفس ، وكل ما في الكون بالاستغراق في أنوار القدس ، وتجلى صفات الحق عليه ، ويتقلب في مشاهدة الصفات ، فيغيب عن بعضها بمشاهدة بعضها الآخر 17 .
ومن هنا يرتبط الحضور بالمشاهدة والمكاشفة ، وأحيانا تذكر هذه المصطلحات الثلاثة مجتمعة ؛ وهي :
المحاضرة ، والمكاشفة ، والمشاهدة كتعبير عن الأحوال التي يكابدها العبد أثناء طريقه للّه ، ومحاولة الوصول لحضرته .
رابعا : المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة وعلاقتها بالحضور :
تمثل هذه المصطلحات الثلاث أحوال الصوفي في طريق الإرادة ، وترتبط بالمعرفة عند الصوفي منذ بداية طريقه حتى يبلغ قناعات اليقين ، ويصل إلى