بما ورد عليه ، ومتى فنى العبد عن الخلق استولى عليه سلطان الحقيقية ، فهو حاضر بالحق ، غائب عن نفسه وعن الخلق 12 ويعرف الكلاباذي ( ت 380 ه ) الغيبة قائلا : " معنى الغيبة أن يغيب - أي المريد عن خطوط نفسه فلا يراها ، وهي أعلى الخطوط ، قائمة معه ، موجودة فيه غير أنه غائب عنها بشهود الحق " 13 .
والغيبة على ثلاث درجات : الأولى :
الغيبة عن رسوم العادات . والثانية : غيبة السالك عن رسوم العلم لقوة نور الكشف .
والثالثة : هي الغيبة لسكوت الثانوية في الحضرة .
وهذه الغيبة هي غيبة العارف الذي وصل إلى الحضرة ، أي حضرة الجمع التي يكون العارف فيها فانيا عن عينه ورسمه ، ممحو الأثر ، غائبا عن الأسماء والصفات في الذات الأحدية في مرتبة عين الجمع ، وهذه المرتبة هي التي يغيب فيها الفناء والفاني بشهود البقاء والباقي لا غير 14 .
وقد تبلغ أحوال الغيبة عند الصوفية درجات بعيدة من الاستغراق في مشهود الحق ، حتى لا يدرى نفسه أو أي شيء حوله ، وربما يكون بوادر من الحق يكاشف به عبده ، وروى عن علي بن الحسين رضي اللّه عنه أنه كان في سجوده فوقع حريق في داره فلم ينصرف عن صلاته ، فسئل عن حاله فقال : ألهتني النار الكبرى عن هذه النار " 15 . ويضرب الصوفية عدة أمثلة على هذا الشعور بالغيبة الذي يستولى على الإنسان عند الشعور بالحضور القوى القاهر لوعى الإنسان ، أثناء تواجده بالحضرة الإلهية .
فالمثال الأول : إذا دخل رجل على عالم أو سلطان أو رجل جليل القدر ، زهل عن نفسه وعن مجلسه ، وربما ذهل عن ذلك الرئيس أيضا ، حتى إذا سئل بعد خروجه من كان عنده في المجلس لم يستطع أن يخبر ، لفرط دهشته وانبهاره بالجلال الذي رآه .
والمثال الثاني : ذكره القرآن للنسوة اللائي قطعن أيديهن حين شاهدن يوسف - عليه السلام - فمشاهدة جمال يوسف والانشغال به غيبهن عن الإحساس بألم قطع أيديهن .
فإذا كان الجلال البشرى والجمال البشرى يفقد الإنسان إحساسه . ويغيبه عن ذاته وعن غيره ، فما بال الحضرة في معية الذات الإلهية ذات الجلال والجمال
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 279
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٧٩