لأن الحضور وطنات ، واليقين خطرات " 8 فالحضور استقرار يفنى فيه العبد عن نفسه وذاته وغيره ، ويبقى مع اللّه ففيه فناء عن الخلق وبقاء بالحق ، مع اللّه .
والمراد بحضور العبد مع اللّه شهوده الحق تعالى من خلف الحجب ، أو علمه بنظر الحق تعالى إليه ، كما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كأنك تراه » 9 ويعتبر الصوفية أن هذا الحضور هو أكمل في التنزيه ممن يشهد الحق من خلف الحجب ، ومن هنا نرى أن الشهود يعنى عندهم الحضور ، وما دام العبد موصوفا بالشهود والرعاية فهو حاضر ، فإذا فقد المشاهدة خرج عن دائرة الحضور ، فهو غائب ، والغيبة عن جميع الأشياء من أقسام الفناء ، وفيها يغيب الفاني عن شعوره بنفسه وبغيره .
وللوقوف في الحضرة الإلهية آداب ، وأدب العارف فوق كل أدب ، قال ذو النون المصري : " إذا خرج المريد عن حد استعمال الأدب ، فإنه يرجع من حيث جاء " ، ويقتضى الوقوف في الحضرة الإمساك عن القول في طلب المأرب ، وفيه قيل الانبساط في القول في الحضرة ترك الأدب ، وحفظ أدب الخطاب هو حسن الأدب في مواقف القلب ومواقف القرب .
وحضور القلب فيه غياب للمريد عن ذاته ، فلما غاب عن ذاته بصفاء اليقين ، فهو كالحاضر عنده - تعالى - أو كما قال الشاعر :
إذا تغيبت بدا * وإن بدا غيبنى 10 .
ثالثا : الغيبة والحضور :
الغيبة والحضور معنيان متلازمان ؛ إذ أنه إذا حدث الحضور تحققت الغيبة ، وإذا انتفت الغيبة لم يتحقق الحضور ، ومجرد الغيبة عن الحس الذي هو المحو أو السكر هو مقدمة لما يجرى في حالة الغيبة ؛ لأن الغيبة عن الحس مقام أو حال ، فيه نقلة من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب ، كأن النفس تغيب عن جسدها وشعورها بهذا إلا لجسد ، فيتخلص منه المريد ؛ لتصبح نفسه وقلبه من ساكنات غرفة النور ، ويمكن أن يقال : إن مقام أو حال الغيبة هو مقام برزخي أوسط الإفادة فيه بالمعنى المصطلح عليه بيننا ، ولا انتفاء فيه أجسام ، بل هو يحدد تخوم عالم النور 11 .
والغيبة هي مقام الكثرة ، أي مقام الخلق ، والغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لاشتغلال الحس