التجربة الصوفية .
وهذا تأكيد على أهمية المجاهدة النفسية في ترقى المقامات ، والتحقق بالأحوال . فالإرادة هي : بدء طريق السالكين ، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى ، وسميت هذه الصفة " إرادة " ، لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله .
وهذا التضارب الذي قد يفهم من موقف الصوفية من الإرادة يجب أن يفهم على أساس : هل حديثهم عن هذه الإرادة في بداية الطريق الصوفي أم في نهايته ؟
فإذا كان في بدايته فهم يؤكدون دور العبد في القيام بأفعاله وإرادته في ذلك .
وإن كانت لدى بعضهم عبارات وأقوال تنفى عن المريد إرادته وأفعاله فهي في مرحلة الفناء والبقاء مع اللّه .
3 - القدرة والاستطاعة :
يفرق الصوفية في القدرة بين نوعين من القدرة ، قدرة قديمة للّه تعالى ، وقدرة حادثة للإنسان . وهي كما يقول " عبد الكريم الجيلى " : " القدرة قوة ذاتية لا تكون إلا للّه . . وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية ، والقدرة الموجودة فينا تسمى قدرة حادثة " 34 .
ويعتبر الصوفية أن إثبات الاختيار الحر مقوم أساسي في إثبات حرية العبد ، ووقوعه تحت المساءلة ، وتوقيع الجزاء في الآخرة ، ونجدهم يثبتون مقوما آخر من مقومات الحرية يتمثل في إثباتهم لاستطاعة الإنسان على تحقيق ما يختار وقدرته عليه . فهم علموا وأيقنوا أن اللّه استخلفهم في الأرض ، وأنهم في دار اختبار وبلوى ، وخلقوا للاختبار في هذه الدار ، ومن ثم فإن الاستطاعة تظهر في المفهوم الصوفي من خلال فهمهم للغاية من خلق الإنسان ووجوده في هذه الأرض ، لكي يحقق معنى الابتلاء .
فاللّه - سبحانه - أعطى العبد ومكّنه ، فأصبح قادرا مستطيعا فاعلا ، فأمره - سبحانه - بالتواضع واللين ، فإذا تذكر العبد نعم اللّه عليه ، وعلم أن حوله وقوته وقدرته واستطاعته من اللّه ؛ زال عنه الكبر ، ولزمه الخضوع والتواضع .
كما أنهم أثبتوا استطاعة الإنسان وعلوه على ما دونه من المخلوقات المسخرة