له ، وأثبتوا للإنسان استطاعة خلقها اللّه له ، هي استطاعة وقدرة حادثة ، لكي تتم بها أفعاله . والجوارح الظاهرة هي أدوات الاستطاعة التي تحوّل الفعل من النية والقصد والإرادة الداخلية والاختيار ، إلى التحقق الفعلي من خلال القدرة والاستطاعة ، فتحول الاستطاعة والقدرة ، والإرادة من حيز النية إلى حيز التحقق المادي الظاهري وتصير الإرادة لها فعل خارجي ظاهر وملموس ، يحاسب عليه الإنسان ، وبه يكتسب المدح أو الذم ، الثواب أو العقاب .
يرى الصوفية كما حكى عنهم " الكلاباذي " أن " الاستطاعة يخلقها اللّه لهم مع أفعالهم ، لا تتقدمها ولا تتأخر عنها ، ولا يوجد الفعل إلا بها " 35 .
وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة يفعل بها ما يشاء ، مما لا يوحى بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء اللّه وقدره ، ولذلك فالاستطاعة ليست قبل الفعل ، ولكنها مقارنة للفعل أي حينما يشتغل العبد بأمر ما يريده ، ويهم بعمله ، يهبه اللّه القدرة ، ويخلق له هذا الفعل أيضا .
وتحديد وقت مقارنة القدرة للفعل يحدد موقف المفكر من الجبر أو الاختيار ، فهناك من رفض وجود تلازم بين القدرة والفعل ، وكان هذا هو موقف الجبرية ، وهناك من قال بسبق القدرة للفعل ، وأنها هي المحدثة للفعل ، وهي قدرة على فعل الضدين ، وهذا هو موقف القدرية والمعتزلة . وهناك من قال بتلازم القدرة للفعل ، وهم أهل الكسب .
أما الصوفية ، فهي تثبت للإنسان قدرة ، ولكنها ليست سابقة للفعل ، وهي أيضا ليست صالحة للضدين ، بل هي قدرة على فعل واحد ، وهي قدرة حادثة يخلقها اللّه للإنسان لحظة الفعل .
ومن هنا كان الصوفية أقرب في تصورهم إلى الأشاعرة القائلين بالكسب ، وهذا راجع في أغلب الظن إلى أن كثيرا من الصوفية كانوا من أصحاب الاتجاه الأشعري . مثل " القشيري " و " الغزالي " ، ولذا يعبر القشيري عن هذا الكسب بقوله : " إن اللّه خالق أكساب العبد ، والعبد مكتسب لأفعاله ، وللعبد قدرة هي استطاعة تصلح للكسب ، ولا تصلح للخلق والإبداع ، فاللّه خالق غير
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 270
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٧٠