تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
حرية الإرادة عند الصوفية تختلف اختلافا كبيرا عما لدى غيرهم ، فهم يبدأون الحديث عن الإرادة ، ثم ينتهون بإسقاط الإرادة . ذلك أن كثيرا من الصوفية يجاهدون أنفسهم ويترقون في الأحوال والمقامات بالإرادة ، ثم في نهاية الطريق يفنون عن أنفسهم ليتحقق لهم البقاء باللّه ، وهم يسقطون تدبيرهم مع الحق ، حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم ، فهذا مرادهم من المجاهدة وهدفهم من الفناء . ويثبت " القشيري " للإنسان إرادة ، والإرادة عنده سابقة على كل فعل ، بحيث يمكن اعتبارها علة ، " وإنما سميت هذه الصفة إرادة ، لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعل " 28 . والصوفية اعتدوا عمليا بحرية الإرادة الإنسانية ، بما يفرضونه على أنفسهم من أنواع المجاهدات والرياضات ، وألوان الزهد والتقشف ، وضروب العبادة والمناجاة ، إلى غير ذلك من أنواع القربات . وهذا يعنى أن الإرادة عندهم هي : عنصر الحركة في الطريق ، وأساس الوجود والمعرفة ، بها يثبت الصوفي وجوده ، ويبلغ مطلوبه ، ويتصل بربه . فهي نقطة البدء ونقطة النهاية ، لا يبدأ المريد إلا بها ، ولا يمكن أن يصل بدونها ، وهي من المتصوفة بمثابة العقل عند الفلاسفة . وما التصوف إلا ثمرة وجدان حىّ وإرادة قوية ؛ فالذوق الصوفي ليس عملا من أعمال العقل ، وإنما هو مظهر من مظاهر الوجدان والإرادة . و " التجربة الصوفية كلها سلسلة من الحركات الوجدانية والإرادية ، والصوفي أولا وأخيرا مريد " 29 . وبعد أن يصل الصوفي بإرادته إلى هذا الطريق ، عليه أن يتخلى عن إرادته لكي يترك كل شئ للّه ، فاللّه هو المريد في الحقيقة لكل شئ .

وقد قسم بعض الصوفية الإرادة إلى ثلاث درجات :

الدرجة الأولى : ذهاب عن العادات بصحبة العلم وتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد ، وخلع كل شاغل عن الإخوان ومشتت من الأوطان .

الدرجة الثانية : تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس ، والسير بين القبض والبسط .

الدرجة الثالثة : ذهول مع صحة الاستقامة ، وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب .