مكتسب . والعبد مكتسب ليس بخالق " 36 .
والصوفية لا يعتبرون الاستطاعة البشرية هي الأعضاء والجوارح ، بل هي عرض يرد على الإنسان من الخارج . فهي ليست قوة أو ملكة دائمة في النفس البشرية ، ولا هي أيضا سلامة الأعضاء ، وهذا ما أكده الكلاباذي بقوله " لو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة 37 ، ولكن هذه القوة متفاضلة بين الزيادة والنقصان ، وفي وقت دون وقت ، وهي غير باقية ، ولا تصلح لأفعال متعددة .
ويستدلون على ذلك بقصة موسى عليه السّلام مع العبد الصالح وقوله تعالى على لسان العبد الصالح
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
( الكهف : 67 ) . ومعلوم أن ثمة استطاعات لأفعال أخرى قام بها موسى عليه السّلام ، وهناك أفعال أخرى ليست في استطاعته ، ومن ثم فاستطاعة الإنسان ليست قوة أو قدرة ذاتية مستقلة ومصاحبة له طيلة حياته ، بل هي واردة عليه من الخارج ، حادثة فيه ، وهي عارضة له .
وينفرد " التستري " عن سائر الصوفية في فهم الاستطاعة البشرية ، حيث رأى أنها قبل الفعل وأثناءه وبعده ، ولكنه مع ذلك يؤكد عدم استقلال الاستطاعة البشرية عن القدرة الإلهية ، لأن الاستطاعة تكون خاضعة للإرادة الإلهية أثناء الفعل ، وهذا حرص منه على تأكيد المسؤولية الخلقية للإنسان .
وبصرف النظر عن اختلاف الصوفية حول الكسب ، فإنهم يلتفون عند ضرورة تحرر النفس من التعلق بالأسباب ، فذلك عندهم يتنافى مع صريح الحرية .
وأخيرا فالحرية عند الصوفية لا تنحصر في الاختيار الحر ، ولكنها تعنى تحرر النفس من الهوى ، ومن التعلق بالدنيا ولذاتها . إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى العبودية . والحرية ليست في موقف عدم الاكتراث في الاختيار ، ولكن عدم الاكتراث إزاء علائق الدنيا وأحوالها ، فيستوى لدى الصوفي كل شئ من شدة ورخاء ، أو منع وعطاء ، ولا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود . فهو يتجرد من الرغبة في الدنيا ، ويتهيأ للآخرة .
وهي أيضا ليست حالة انفصال بين الإنسان وبين أسباب الحياة أو متع الدنيا ،