وقد ظن بعض السالكين من الصوفية أن الطريقة الكاملة للتصوف هي ألا يكون للعبد إرادة أصلا . وهذا ليس ما عناه مشايخ الصوفية لما نادوا بالتجرد عن الإرادة ، كقول " البسطامي " :
" أريد ألا أريد " ، لما قيل له ماذا تريد ؟
والصوفية لما توجهوا إلى مرضاة اللّه ، فإنهم أرادوا لأنفسهم ما أراده اللّه لهم ، ودعاهم إليه ، فنبذوا الدنيا ، وفضلوا الآخرة . يقول القشيري : " المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا " 30 .
وهذا يدل على مدى تمسك الصوفية بإثبات الإرادة الإنسانية ، لأن من لا إرادة له ، لا يستطيع أن يتركها إرضاء للّه . أما من له إرادة وتركها لإرادة اللّه ، فهو الصوفي الحق . ولذا يقول " الواسطي " : " أول مقام المريد : إرادة الحق - سبحانه وتعالى - بإسقاط الإرادة " 31 وهذا المقام من أعلى مقامات الصوفية .
ومن هنا لزمت استقامة المريد العابد بإرادته واختياره على الطريق الذي اختاره اللّه له ، مع الالتزام بأحكام العبودية ، وهو ما أكده " الكلاباذي " قائلا : " اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده وآثره على ضده وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده ، وآثر عليه ضده " 32 .
إن كثيرا من الصوفية يجاهدون أنفسهم ، ويفنون إرادتهم حتى يفنوا عن أنفسهم ، ليتحقق لهم البقاء باللّه ، ويسقطون تدبيرهم ، حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم ، فهذا مرادهم من المجاهدة ، وهدفهم من الفناء ؛ لأن فناء العبد عن صفاته وإرادته ، هو بقاؤه بصفات اللّه وإرادته .
ومن ثم ينصح الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد أتباعه قائلا : " افن عن الخلق بإذن اللّه تعالى ، وعن هواك بأمر اللّه تعالى ، وعن إرادتك بفعل اللّه تعالى ، وحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه تعالى " 33 .
وليس معنى ذلك غياب الدور الإنسانى أو الإرادة الإنسانية فيما يجريه الحق تعالى ، وإنما هي اجتهادات من بعض الصوفية الذين ينسبون الفعل الإنسانى للّه تعالى ، ولكنهم لا ينكرون إرادة الإنسان ، ولا ينفون عنه صفة الإرادة ، خاصة في بداية سلوك الطريق ، أو خوض
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 268
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٦٨