تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
من أبى البشر بأكله من الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه الموجبات العظام للرب تعالى ، من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله ، وإنزال كتبه ، وإظهار آياته وعجائبه ، وتنويعها وتصريفها . فلو قدّر أن آدم لم يأكل من الشجرة . . لم يكن شئ من ذلك .

سادسا : نشأة مفهوم الحرية عند الصوفية :

يكاد يكون التصوف المعتدل أصدق جوانب التصوف تمثيلا للفكرة الصوفية لا من حيث اتساقه مع أحكام الشرع وتعاليم الدين فحسب ، بل من حيث بعده عن الأصول الأجنبية إذا قورن بالتصوف الفلسفي ، ومن ثم كان معبرا عن تيار إسلامي . ومن المؤكد أن التصوف تجربة ذاتية للصوفى ، ومن ثم فإنه من المتعذر أن تجمع الصوفية وحدة فكرية تؤلف بين أفرادها مبادئ وأصول عامة ، ولا سيما موقفهم من مشكلة الحرية ، فالصوفية مختلفون بين اتجاهات ومذاهب . وتجارب خاصة ذاتية . وهو أمر يتقبلونه بصدر رحب ، ولعل هذا هو مقصد رويم حين قال : " الصوفية بخير ما تنافروا ، فإن اصطلحوا فلا خير فيهم " 23 . لم تشكّل الحرية عند أوائل الصوفية نظرية متكاملة ، وإنما ظهرت لديهم في بعض العبارات وبعض الأبيات الشعرية ، كما وجدت في الفكرة القائلة بأن الحياة سجن أو قبر لها مكان في تصوراتهم . وكان الموت يعنى عندهم التحرر من هذه الحياة ؛ لأن الموت يقربهم من اللّه أكثر . وقد تبنى الصوفية هذه الفكرة ، ففي اليوم الذي توفى فيه " داود الطائي " رأى أحدهم في منامه أنه سمعه يقول " الآن خرجت من السجن " . وهكذا يبدو العالم سجنا للذين يحبون اللّه تعالى . والحياة ليست في الحقيقة إلا سجنا متصلا . ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال أنه على الرغم من اعتبار الحياة سجنا والموت تحررا ، فإن حرية من هذا النوع لم تقد إلى أي شئ يرتبط بمصطلح الحرية وأبعاده أو مضامينه الدنيوية ، وكان من المتوقع أن يصبح البعد الميتافيزيقى للحرية قضية تعنى بها النظرية الصوفية . ثم يبدأ الاهتمام بالحرية فيما بعد ، ويأخذ حيزا في كتاباتهم وأفكارهم