أجمعوا أن جميع ما فعل اللّه بعباده من الإحسان والنعمة والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه ، ولو لم يفعل ذلك لكان منه جائزا ، وليس على اللّه بواجب .
ويؤكد " المكي " أن من شروط صحة إيمان العبد أن يصدق بجميع أقدار اللّه تعالى ، خيرها وشرها ، وأنها من اللّه تعالى سابقة في علمه ، جارية في خلقه بحكمه ، فلا حول لهم عن معصيته إلا بعصمته ، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته ، وأنهم لا يطيقون ما لهم إلا به ، ولا يستطيعون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بمشيئة اللّه 19 . وليست معاصي العباد واقعة بقضاء اللّه ومشيئته وعلمه وحفظه فقط ، بل هي واقعة وحادثة بخلقه أيضا ، فلا خالق إلا اللّه .
ويمكن القول إن الصوفية يجمعون على خلق اللّه - عز وجل - لأفعال العباد بما فيها المعاصي ، ويفرد " الكلاباذي " فصلا بعنوان " قولهم في القضاء والقدر وخلق الأفعال " .
وكانت نقطة الخلاف بين الفرق الباحثة في الفعل الإنسانى تدور حول خلق أفعال العباد ، هل هي من خلق اللّه تعالى أو من إحداث الإنسان ؟ وانقسموا حينئذ إلى طرفين على طرفي نقيض ، مذهب يثبت أن الإنسان مجبر في كل أفعاله ، ولا حول ولا قوة له ، وهو مذهب الجبرية ، ومذهب آخر يثبت للإنسان قدرة واستطاعة ، وهو مذهب القدرية . والغريب أن يقف الصوفية موقف نقد ورفض لكلا الاتجاهين . بل يوجهون نقدهم لكل منها ، ومن هنا سنعرض موقف الصوفية من الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنسانى حتى يتسنى لنا معرفة موقفهم الخاص من الفعل والحرية .
خامسا : موقف الصوفية من الجبرية والقدرية :
يعرض ابن قيم الجوزية لموقف الجبرية ، وموقف القائلين بالاختيار أو من يطلق عليهم القدرية ، ليبين مكانة الصوفية بينهم ، وهل هم من أهل الجبر أم هم من أهل الاختيار ؟
أ - نقد الصوفية لمذهب الجبر :
الجبر هو " نفى الفعل حقيقة عن العبد ، وإضافته إلى الرب تعالى .
والجبرية أصناف ، فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا . والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة " 20 .