القدر حتى يشمل أفعال العباد والسلوك الإنسانى الخلقي ، بما في ذلك المعاصي ، ومن ثم تكون معاصي العباد بقدر اللّه وخلقه وليست واقعة بغير مشيئته أو مخالفة لإرادته التكوينية .
ويدخل " التستري " آية " الأشهاد " في مفهوم القدر ، حيث يقول : " خلق اللّه الخلق على معرفته ، وابتلاهم بنفسه " . ويفهم " الأشهاد " في قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
( الأعراف :
172 ) بمعنى أن اللّه ابتلاهم في عالم الذر ، وزودهم بذلك بإيمان فطرى . ثم أرسل الرسل بقوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
( الإسراء : 15 ) .
فاتصل العلم السماوي النازل بالوحي بالعلم الفطري المغروس في النفوس بالإشهاد ، وهو سبحانه وتعالى قبل ذلك قد قهرهم بقدرته ، وأنفذ فيهم مشيئته ، وأجرى عليهم أحكامه ، وهو القائم عليهم بملكه ، وهو يفعل كل ما فيه خير للخلائق .
وكي نفهم هذه المسألة فهما صحيحا لابد من معرفة موقف الصوفية من مشكلة تعليل أفعال اللّه ، وينقل " الكلاباذي " ( 380 ه / 990 م ) ما يراه معبرا عن رأى الصوفية بقوله : " أجمعوا على أن اللّه تعالى يفعل بعباده ما يشاء ، ويحكم فيهم بما يريد ، كان ذلك أصلح لهم أو لم يكن ؛ لأن الخلق خلقه ، والأمر أمره ، ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق ، لأن القول بالأصلح يوجب نهاية القدرة ، ونفاد ما في الخزائن وتعجيز اللّه ، لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فلس وراء الغاية شيء ، فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحا آخر لم يقدر عليه . تعالى اللّه عن ذلك " 17 .
وغالبية الصوفية يوقنون أن للّه في خلقه حكمة ، وأن له في كل أفعاله سرا ، وإن خفى على الإنسان أنه في مقام الرضا بالقضاء ، وليس ذلك عن تعظيم للّه فحسب ، بل عن يقين أن له في كل فعل لطيفة ، ولهم إشارة خاصة إلى ما كان بين الخضر وموسى - عليه السلام - ليعبروا عن خيرية أفعال اللّه ، وحكمته التي قد تغيب وتخفى على الكثيرين والغزالي ( ت 505 ه / 1111 م ) له كتاب اسمه " الحكمة في مخلوقات اللّه " يشير فيه إلى حكمة اللّه وإرادته للخير في كل ما خلق ، وفي كل ما قضى وقدر 18 .
ويذكر " الكلاباذي " : أن الصوفية قد