وهو كله خير ، والقدر هو تفصيل ذلك الحكم العام المجمل ؛ لأنه توقيت هذا الحكم وتخصيصه في الموجودات على نحو يؤدى إلى وجود عالم أفضل . والقضاء هو الحكم الإلهى الأزلي في الأشياء ، وهو بمنزلة القرارات الإلهية الأزلية . والقدر هو توقيت وتفصيل لهذا الحكم الأزلي في الموجودات الخارجية ، فهو بمنزلة القرارات الإلهية الحالية .
وهذا ما عبر عنه " ابن عربى " بقوله :
" تعلقها - الذات العالية - بالأحكام قبل وقوعها يسمى قضاء . . وتعلقها بوقت وقوع الحكم يسمى قدرا " .
ويقسم " ابن عربى " الأمر الإلهى إلى نوعين : أمر تكليفي ، وأمر تكويني .
الأمر التكليفي الذي يخاطب اللّه به العباد فيطيعونه أو يعصونه ، حسب مقتضيات أعيانهم الثابتة .
والأمر التكويني الذي يعبر عنه بالمشيئة الإلهية ، وهو قانون عام يحكم الوجود ، وبمقتضاه يسير كل شئ في الكون ، حتى أفعال الإنسان .
وعلى هذا كل شئ في الوجود خاضع للأمر التكويني ، سواء في ذلك الخير أو الشر ، والطاعة أو المعصية ، والإيمان أو الكفر . فإذا أتى الفعل موافقا للأمر التكليفي سمى طاعة واستلزم الحمد . وإن أتى الفعل مخالفا له سمى معصية ، واستلزم الذم .
والفعل الإنسانى في كلتا الحالتين عين الطاعة للأمر التكويني ، واللّه يريد الفعل حتى وإن كان شرا ، ولكنه لم يأمر به ، وإن كان يبدو من خير أو شر ، كان مقدرا منذ الأزل . وقد شاء الحق وجود هذا الخير أو الشر في العالم . واللّه يعلم الأشياء كلها ، ويريدها كما يعلمها بما فيها أفعال البشر .
فما أخذ به الصوفية هو إثبات القدر الشامل المحيط ، وإثبات العناية الإلهية للكون ، شاملة ومحيطة لكل ما في الوجود " فلا يخرج عن قدرته مقدور . . ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء " 16 .
ولكن المشكلة تظهر للإنسان الذي يترتب على أفعاله عقاب في الآخرة ؛ فما موقف الصوفية من المعاصي الإنسانية ، هل هي من قدر اللّه وقضائه أم أن للإنسان مطلق الحرية في اختيارها وفعلها ؟
يذهب سائر الصوفية إلى إثبات عموم
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 259
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٥٩