تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
الثاني فهو عالم ، وهذا توحيد الخاصة أي العلماء ، ومن حصل له التوحيد الثالث فهو من الصوفية ، وهو أعلى درجات التوحيد . والتوحيد كما فسره ابن القيم الجوزية ( ت 751 ه ) هو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم ، وأنه ما شاء كان ، وما لم يشاء لم يكن ، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ، وأن الخلق مقهورون تحت قبضته 11 . وهذا ما أكده أيضا " أبو طالب المكي " عندما عرّف التوحيد عند أهل المعرفة بأنه اعتقادهم أنه " لا فاعل حقيقة إلا اللّه - عز وجل - لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره . وعندهم أن فعلا لا يتأتى من فاعلين ، وإلا كان شركا " 12 . ووصل الإيمان بتوحيد الربوبية ، وإفراد الألوهية بالخلق والتدبير لكل ما في الكون من موجودات وأفعال إلى حد اعتبارهم أن كل شئ هو مجرد موضوع لأحكام القدرة الإلهية . فقد روى عن أبي عثمان المغربي ( ت 372 ه ) عندما سئل عن الخلق أنه قال : " قوالب وأشباح تجرى عليهم أحكام القدرة " 13 . وجعل الجنيد إطلاق المشيئة الإلهية والإيمان بذلك أصلا من أصول التوحيد إذ إن التوحيد عنده هو " معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه - عز وجل - وحده لا شريك له ، فإذا فعلت ذلك فقد وجدته " . وهذه العبارة الأخيرة تدل على اعتقاد الجنيد ، ومعه الصوفية في شرك من ينسب لغير اللّه فعلا حقيقيا ، على سبيل الخلق والإحداث هو واقع في الشرك . وجعل إفراد اللّه - عز وجل - بالخلق ، وشمول التدبير أصلا من أصول التوحيد تؤدى مخالفته إلى الشرك . فالتوحيد ليس مجرد إسقاط كثرة الأرباب ، بل إسقاط الأسباب كذلك . فالموحد هو من لم يشرك مع اللّه أحدا في تدبيره وحكمه وعلمه وأمره ، وقضائه وخلقه ، ورزقه وعطائه ، وذلك لأن التوحيد هو الاعتقاد بانفراد اللّه - عز وجل - بالفعل وحده ، حتى بالنسبة لخلق معاصي العباد . وهذا الفهم للتوحيد يثير مسألة جوهرية في مفهوم الحرية عند الصوفية ألا وهي كيف لا تصدر عنهم المعاصي ، ثم يحاسبون عليها ؟ وإذا كان ما في الوجود ليس فيه إلا فاعل واحد فقط هو اللّه ، فكيف يفسرون طريقهم العملي في