أجلها بعث الرسل جميعا ، وهي إفراد اللّه بالعبودية . قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( الأنبياء : 5 ) .
وبهذا يتحقق الغرض الأساسي من وجود الإنسان ، وهو العبادة ، أو كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( الذاريات : 56 ) .
فالصوفية تربط بين تصورهم للحرية ومفهومهم للتوحيد في العبودية ، فالصوفى حرّ إذ توحدت عبوديته للّه . فإذا كنت له وحده عبدا كنت عما دونه حرا .
ويرتبط بكمال العبودية والحرية إسقاط التدبير ، والتبرؤ من كل ما سوى اللّه ، فالحرية هي الخروج عن رق الكائنات ، وعن الدنيا بأكملها . أو كما يقول " إبراهيم بن أدهم " : " الحر من خرج من الدنيا قبل أن يخرج منها ، وعلامة الحرية سقوط التمييز عن قلبه بين أمور الدنيا والآخرة ، فلا يسترقه عاجل دنياه ولا آجل عقباه " 9 .
ولأن مقام العبودية - الذي هو من أشرف المقامات - لا يتم إلا بترك التدبير للّه ، والصبر على البلوى ، والتبرئ من الحول والقوة ، والتسليم إليه . والوفاء له .
والطاعة لأحكامه . فإسقاط التدابير هو مظهر عبودية الإنسان للّه ، ودليل على إقراره بربوبيته وتوحيده تعالى . ومن هنا كان للتوحيد صلة أيضا بالحرية عند الصوفية .
ثالثا : الحرية والتوحيد :
يتسم التوحيد عند الصوفية بالإقرار بكمال وحدانية ذاته تعالى ، وأنه واحد لا شريك له في الذات والصفات والأفعال .
فهو الفاعل والمدبر والمريد لكل شئ من الأعمال والحركات دون سواه .
وقد فهم الصوفية التوحيد بأنه انفراد اللّه - عز وجل - بالفعل في الوجود ، كما انفردت ذاته بالأزلية . وبالمثل فهموا الشرك بأنه إشراك فاعل حقيقي آخر غيره معه في الوجود .
والتوحيد - عندهم - له مستويات ، منها توحيد العامة ، وتوحيد الخاصة ، وتوحيد الصوفية ، وهم خاصة الخاصة " فمن اعتقد أو علم بالدليل بأنه تعالى واحد ، أو غلب على قلبه رؤية الحق ، حين غفل الخلق فهو موحد " 10 .
فمن حصل له التوحيد الأول فهو مؤمن ، وهذا توحيد العوام ، ومن حصل له