الحرية
تمهيد :
يختلف موقف الصوفية من الحرية عن أغلب الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنسانى . فقد أخذت عندهم موقفا أكثر دلالة في بعدها الميتافيزيقى وظهرت معلما من معالم الهداية في السلوك الصوفي ، وأصبحت لها مكانة مهمة في نسقهم الأخلاقي والتربوي . وهي تعد عند البعض نهاية الطريق الصوفي ، أو كما قال الجنيد ( ت 298 ه / 910 م ) " لأن آخر مقام العارف الحرية " .
فالحرية عندهم لا تقف عند حدود الاختيار الحر بين فعلين ، ولكنها حرية ذات مفهوم خاص ، تعنى تحرر النفس من الشهوات ، ومن التعلق بالدنيا وملذاتها .
والحرية عندهم كذلك معنى لا ينفصل عن العبودية ، فهي لا تفهم إلا من خلال فهم العلاقة بين اللّه وعبده ، فهي علاقة تحدد الصلة الجوهرية بين السيد والعبد ، بين اللّه والإنسان . أو كما قال ابن عربى : " إن الحرية هي العبودية المطلقة " .
ومن هنا كان للحرية عند الصوفية مفهومها الخاص ، كما أن لها ارتباطا بالعديد من الأفكار التي صرحوا بها . ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن فهم معنى الحرية يرتبط بفهم الكثير من أفكارهم الخاصة ؛ فالحرية حجر زاوية في نسقهم الفكري والأخلاقي .
أولا : مفهوم الحرية لدى الصوفية :
الحرية ضد العبودية ، ولفظ " حرّ " قد عرف قديما في الجاهلية ، ليس على كونه ضد العبودية ، بل على أنه مصطلح أخلاقي أيضا ، يدل على أولئك النبلاء في أخلاقهم وسلوكهم .
والمفهوم اللغوي لمعنى الحرية يرجع في أغلبه إلى معنى الخلاص من القيود ، والانعتاق بتحطيمها . يقول الراغب الأصفهاني : " حررت القوم إذا أطلقتهم ، وأعتقتهم من أسر الحبس ، والتحرر جعل