تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
قابل للتعميم ليشمل الكون الرحب بجملته . أن الجمال في أصله شعور بالتلذذ قائم على إدراك " الملائم أو المناسب في المرئيات والمسموعات أو في الأشكال والأصوات . وإذا كانت أغلب مواطن رصد مظاهر الجمال والحسن عند الإنسان قائمة في العلاقة بين العاشق والمعشوق فلذلك راجع لكون هذه العلاقة تكرس في العمق شعورا بأقرب أنواع التناسب والتشابه والتطابق والامتزاج الممكن لدى الإنسان ، وإن كان ذلك التشابه والتناسب راجع في حقيقته إلى تناسب عام متجل في جنبات الكون كله ، إذ كل ما في الكون يحيل بعضه إلى بعض في نوع من التناغم والانسجام والجمال . هذا وإذا كان ابن خلدون قد أفاض في تفسير وتعليل قواعد وضوابط الجمال الموسيقى ومجال السماع بوجه عام فإن الواقع يشهد على تعدد الإنتاج الجمالى في حضارتنا الإسلامية ، سواء تعلق الأمر بمجال اللغة والأدب أو العمارة أو الموسيقى أو الأخلاق ، بجانب الأنواع الأخرى من الإنتاج الفكري ، كما هو شأن الصوفي في الإسلام ، وهو الإنتاج الذي لم يوظف مختلف رموزه الإشارية ولم يتجاوز اللغة الطبيعية ويلجأ إلى ضروب التشبيه والتمثيل ، والاستعارة والمجاز إلا كوسائل لمعانقة تجربة الجمال وتقريبها إلى الأفهام . وقد رافقت ذلك التأصيل ، على المستوى الوجودي ، محاولات أخرى لتربية الحس الجمالى والفنى وتهذيبه على مستوى مدارج السالكين المتلقين لذلك الخطاب ، مع دفع مختلف الاعتراضات التي قد توجه لذلك الحس الجمالى ، خاصة في مجال الموسيقى والسماع ، لكونها اعتراضات لا تخص قيمة الجمال بحد ذاته وإنما هي بالأحرى تتوجه بالنقد لبعض الممارسين الهابطين بذلك الفن إلى المستوى البهيمي ، إذ " كل إناء بالذي فيه يرشح " ولعل هذا ما حمل الصوفية على العناية الشديدة ، بتفصيل شروط وآداب " فن السماع " إبقاء على تلك الضوابط المشار إليها آنفا بين مفهوم الجمال ومفهوم الجلال ، وحفاظا على القصد الإيجابى المعلق على هذا النوع من الذوق الفنى حتى في الجانب التربوي والخلقي ، وبهذا المعنى تعتبر كل الكتب الصوفية في تربية المريد هي تربية جمالية في الأساس لأنها تدعو لإدراك الجمال ومحبته . وبهذا الصدد فإن الموقف الصوفي
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 224 | محمود حمدي زقزوق