العام من الفن ، وبالتحديد من فن السماع والشعر والموسيقى ، يتلخص في أنه بالرغم من إمكانية تفهم الدوافع الأخلاقية والمجتمعية لاعتراضات بعض الفقهاء ضد ممارسة السماع الذي ما حرم لديهم " حتى أخذه أهل اللهو ونقلوه إلى لهوهم وقارنوه بشرب الخمر والزنا ، فحرم حينئذ سدا للذريعة " بالرغم من ذلك فإن صيغة القطع والإطلاق في تلك الاعتراضات قد تعتبر غفلة عن إمكانية ترشيد وتهذيب الحس الموسيقى وتوظيفه ، ليس بقصد ترقية الذوق الفنى فحسب ، ولكن أيضا لأجل الرفع بالإنسان إلى مستوى قيم أخرى أعلى وأهم كقيمة الحق والخير . وعليه فدفاع صوفية الإسلام عن مشروعية جمالية هذا الفن قائم على أساس إمكانية توظيف الحس الموسيقى لدى الإنسان لأجل تهذيب العواطف وترسيخ الفضائل الجمالية والجلالية .
الجلال 32
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( الرحمن : 78 ) أي : الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو له ، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه ، فالجلال له في ذاته والكرامة فائضة منه على خلقه ، وفي تقديم لفظ الجلال على لفظ الإكرام سر ، وهو إن الجلال إشارة إلى التنزيه ، وأما الإكرام فإضافة ولابد فيها من المضافين ، والإكرام قريب من معنى الإنعام إلا أنه أخص منه ، لأنه ينعم على من لا يكرم ، ولا يكرم على من ينعم عليه ، وقد قيل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مارا في طريق إذ سمع أعرابيا يقول : ( اللهم إني أسألك باسمك الأعظم العظيم ، الحنان المنان ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ) فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنه دعى باسم اللّه الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أجاب » ، ومتى أكثر العبد من ذكره صار جليل القدر بين العوالم ، ومن عرف جلال اللّه تواضع له وتذلل . إن مفهوم الكمال في الفلسفة الصوفية الإسلامية مرتبط بمفهوم الجمال والجلال ، فهي مفاهيم مترابطة متكاملة ، فالكامل جليل وجميل ، ولكنّ الجليل والجميل ليسا كاملين بالضرورة ، لكنّهما بالضرورة قريبان من الكمال ، فالحق يتجلى في الجمال والجلال سمة للكمال المطلق .
بيد أن الكلام يربط مفهوم الجلال بالذات الإلهية ، فالجليل أحد أسماء اللّه الحسنى ، وتلازم الجلال صفات العظمة والجبروت ، والقوة ، وحيثما نجد وصفا لمشاعر الخوف ، والدهشة ، والذهول ، والمحو ، والفناء ، والقهر ، والعزة ،