خبرة خاصة وذات طابع فردى ولا يمكن نقلها للغير ، حتى أشعار الصوفية لا تنقل لنا من الجمال إلا ما تستطيع الكلمات أن تنقله ، ونحن نفهمه على ضوء خبراتنا المحدودة بالصور التي تحيط بنا ومخيلتنا وتجاربنا الروحية ، وإذا كان الفن في جوهره تجاوزا لما هو قائم وفتح آفاق جديدة للإنسان تفك أسره بالخيال وتركيب الصور في علاقات جديدة ، فإن الصوفي تنفتح أمامه هذه الآفاق الجميلة حين يخرج نفسه من عبادة البشر والأشياء والسلطة والمال ، فيرى العالم كما لم يره من قبل ويسترد ذاته التي استعبدتها الأشياء ، هنا يقترب من الكمال من خلال اقترابه من الجمال ، وتمتلئ روحه بهذا الصفاء والتسامح ، ويصبح عطاؤه بلا غرض ولكن من أجل الجمال والمحبة .
[ عرض ابن عربى لسرّ الجمال والجلال في مواضع مختلفة من الفتوحات ]
وعرض ابن عربى لسرّ الجمال والجلال في مواضع مختلفة من الفتوحات .
حيث يقول : " فأوجد اللّه العالم في غاية الجمال والكمال ، خلقا وإبداعا ؛ فإنه - تعالى - يحبّ الجمال ، وما ثم جميل إلا هو ، فأحبّ من قيّده النظر . ثم جعل - عزّ وجلّ - في الجمال المطلق الساري في العالم جمالا عرضيا مقيدا آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل " 25 .
وقال ابن عطاء اللّه السكندرى في كتاب الحكم إن " الجمال هو تجلّيه - تعالى - بوجهه لذاته . لجماله المطلق جلال هو قهّاريّته للكلّ عند تجلّيه بوجه ، وهو ظهور في الكل " . الجمال ، مثله مثل الخيال ، صفة المطلق وصفة التقييد ؛ ومن الأول إلى الآخر يتحرك باتصال الوجود . ثم استدعى الشيخ الأكبر ثانية الحديث الشريف السابق : " إن اللّه جميل يحب الجمال ؛ فهو - تعالى - صانع العالم ، أوجده على صورته . فالعالم كلّه في غاية الجمال ، ما فيه شئ من القبح ؛ بل قد جمع اللّه له الحسن كلّه والجمال . فليس في الإمكان أجمل ولا أبدع ولا أحسن من العالم . ولو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى ، فهو مثل لما أوجد لأن الحسن الإلهى والجمال قد حازه وظهر به " 26 .
وأصرّ عبد الكريم الجيلى على هذه الحكمة المدهشة بعده : " فما في العالم قبيح . فكل ما خلق اللّه - تعالى - فهو مليح بالأصالة لأنه صور حسنه وجماله .
وما حدث القبيح في الأشياء إلا بالاعتبارات . وقولنا إن الوجود بكماله يدخل فيه المحسوس والمعقول والموهوم