تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
جميل ، والقبح الذي يبدو فيه ليس قبحا حقيقيا ، بلى هو قبح بالإضافة والاعتبار لا بالأصالة . ويضربون مثلا لذلك : قبح الرائحة المنتنة التي ينفر منها الإنسان ، ويتلذذ بها الحيوان ، والنار التي تكون قبيحة لمن يحترق فيها ، لكنها في غاية الحسن لمن لا يحترق . وإذا كان المعتزلة يرون أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان في الأشياء ، ويرى كثير من الأشاعرة أن الأشياء في أنفسها قبل ورود الشرع لا توصف بحسن ولا قبح فإن الصوفية يؤكدون على أن " الحسن " وصف أصيل في كل ما خلق اللّه تعالى . ولتجلى الجمال " انبهار " يقهر عقل السالك إلى درجة " الهيمان " ، فإن بقي في هيمانه سمى " مولها " ، والمؤيدون من السالكين معصومون في تجلى الجمال من الهيمان ، فإذا سكروا صحوا عن قريب ، وهؤلاء يسمون " بالممكّنين " ، وأهل " التأكيد " ، وأهل " التمكين " أرفع درجات من المهيمّنين . ويستدل الصوفية على أحوالهم في تجلى الجمال بدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الشريف : « وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ، ولا فتتة مضلة » 22 ، ويفسرون " الضراء المضرة " في الحديث بذهاب العقل ، " والفتنة المضلة " بانحلال قيود العلم المؤدية إلى الزندقة . هذا وتجلى الجمال من منازل القلب ، وليس من أخلاق النفس ، وهو - بهذا الاعتبار - من " الأصول " ، التي ينبنى عليها السلوك 23 . ويتبين لنا مما سبق ذكره أن القرآن الكريم يقدم الجمال كصفة للسلوك الإنسانى المرتبط بالخير المؤدى لتنمية الإنسان وتصويب اتجاهه نحو الفطرة والتأليف والمحبة ، ويمكن أن نلاحظ أن انتاج الإنسان للعمل الفنى هو أيضا سلوك تجاه المادة الوسيطة التي يركبها وفق قوانينها الخاصة ، لأنه فعل أيضا ، فتنقل رسالته وإحساسه إلى المتلقى ، والإسلام مع كل فن يهدى الإنسان للخير ويبعد به عن الشر والرذيلة ، ولعل هذا واضح في قضية موقف الإسلام من الشعر ، فهو ليس ضد كل الشعر ، ولكنه ضد هذا النوع الذي يعوق تفتح الفطرة الإنسانية ونموها تجاه الخير ، يرفض الإسلام عدم التوافق بين القول والفعل ، ويرى أن الجمال هو الانسجام بين القول والفعل ، فحين ذاك يبعد المرء عن الادعاء والكذب والرياء ، ويكون نفسه ، وليس تلك الصورة التي يريد تقديمها للآخرين .