الجمال ، حيث تقوم الفكرة الأساسية لدى الصوفية على إن الإنسان يستطع أن يتجه إلى اللّه روحيا عن طريق الوجد والعبادة الخالصة وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات والشهوات الدنيوية . ومتى ما يصبح في حضرة الذات الإلهية ، يدرك أن الجمال الحقيقي هو فيما يرى من نور ، وجمال العالم ليس إلا انعكاسا للجمال الإلهى .
ونظريّة الجمال في الإسلام كما يراها الغزالي ، تنطلق من الحديث الشريف : « إن اللّه جميل يحب الجمال » إن محبة الشئ دليل على جماله ، حيث نجد عند الفقيه والمتصوف أبى حامد الغزالي ( 505 ه ) كيف أنه قد جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس ، والجمال الباطن من شأن البصيرة . ويقول : " الصورة ظاهرة وباطنه ، والحسن والجمال يشملهما ، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر ، والصور الباطنة ، بالبصيرة الباطنة .
فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها . . . ومن كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهر كان حبه للمعاني الباطنية أكثر من حبه للمعاني الظاهرة ، فشتان بين من يحب نقشا مصورا على الحائط بجمال صورته الظاهرة ، وبين من يحب نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة . " فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، " " والقلب أشدّ إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور " الشريفة الإلهية أتم وأبلغ . . . " ، " كلّ شئ جماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له . . . فإذا كانت جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال " 24 .
ويلجأ الصوفية إلى تفسير الجمال بوصفه تجربة حياة ووجود ، لا يحتكرها الفن فحسب ، وإنما يتم محبة الجمال الإلهى من خلال اتباع الشريعة لأنها أوامر المحبوب ، ولذلك لا يمكن أن نصدق من يقول أنه يحب اللّه ويعصى أوامره وهي فطرة اللّه التي تؤدى إلى تزكية الإنسان بها يكون في خير صورة ، والحقيقة أن الجمال هو محور التجربة الصوفية ؛ لأنهم يتحررون به من كل شئ يعكر صفاء نفوسهم ؛ واكتشافهم لهذا الجمال يجعلهم منجذبين إليه بشوق عظيم ، وهذا الجمال الذي يعيشه الصوفي في محبة اللّه هو
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 219
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢١٩