الجمال عنصرا أساسيا في بناء الكون ، ودعامة من دعامات الدين الحقّ وشريعته السمحة . والنفس الإنسانية الكاملة بإيمانها الصحيح ترى الجمال صفة جوهرية فيها ، تنطلق منها إلى آفاق السموّ والكمال البشرى . وهذا يدفعنا إلى تدبّر ما قاله القرآن الكريم في مجال الجمال المعنوي ، لقد جاء الجمال المعنوي في القرآن مقرونا بأنماط شتّى من السلوك البشرى ، وقد نعجب لبعضها ! إنها من ألوان السلوك غير المستحب ، ومن أنواع الحلال البغيض عند اللّه الذي شرعه للحياة بأسباب الجمال . لقد اقترن الجمال بالصبر ، واقترن بالصفح ، واقتران بسراح المرأة من عصمّة الزوجية ، واقتران الجمال بالصبرّ من أعظم الصفات التي تزداد بها النفس جمالا وكمالا ، والصبر الجميل هو الذي تزدان النفس فيه باليقين والثقة ، وتمتلئ بالأمل ، ويغمرها بالرجاء في اللّه ، وتكون بمنأى عن الجزع والسخط على القضاء . وجاء الحديث عن الصبر الجميل في موضعين ، كلاهما في سورة يوسف ، أولهما : على لسان يعقوب عليه السلام ، وقد جاءه أبناؤه يخبرونه بأنّ يوسف أكله الذئب ، وبرهنوا على قولهم بدمّ كذب على قميصه ، وبرغم الفاجعة الرهيبة على قلب الأب المؤمن واجه الأمر بأناة بالغة ، وثقة عظيمة ، جعلته يحسّ أنّ الأمر على غير ما صوّر أبناؤه ، وتذرّع بالصبر الجميل 18 .
وثانيهما : على لسان يعقوب أيضا ، عندما جاءه نبأ احتجاز ابنه الثاني في سجن العزيز بمصر ، وبرغم تتابع المحنة ، وعمقها في وجدان الشيخ الرسول ، لكن ما يزال للصبر الجميل الغلبة على مشاعره 19 .
ويقترن الجمال بالصفح ، وهو من أسمى الصفات ، إذ هو يعنى التغاضي عن إساءات الآخرين . وقد طلبه اللّه تبارك وتعالى من نبيّه في مواجهة المكذّبين من قومه ، مبيّنا له أنّه صاحب رسالة مهمّتها الهداية ، وعقاب الضّالين مرجعه لرب العالمين ، والساعة آتية لا ريب فيها 20 ، والصّفح في حدّ ذاته جميل ، وعندما يتّصف بالجمال يكون صفحا لوجه اللّه ، لا يجعله صاحبه حديثا يذكر به بين النّاس . وقد نقول : إنّ الجمال في الصبر والصفح قد يكون مألوفا . لكن ماذا نقول في جمال الهجر وجمال الفراق ، وهما لونان من المقاطعة ؟ ! إنّ القرآن بهذا
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 215
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢١٥