بدايته ، ويعرف جل مراحله ، إلا أن ما يتميز به حال المجذوب أنه يعبر كل « المقامات » التي هي علامات الطريق بسرعة فائقة ؛ لأنه المجذوب المجتبى ، أما السالك فيفتح اللّه تعالى له الطريق خطوة خطوة ، إن مثل المجذوب هنا مثل صاحب الخطوة التي تطوى له الأرض ، فالناس يرحلون إلى المراحل المعتادة في مدة معلومة ، أما صاحب الخطوة فيقطعها في وقت قصير للغاية ، وبغير تعب ، وتطوى له الأرض في لحظات ، مع أنه يمر في عين الوقت بمراحل المجاهدين والسالكين . ولهذا لا ينبغي أن نتوهم أن المجذوب لا يعرف الطريق ! ! 31 .
على أن هؤلاء الواصلين ( المجذوبين ) قد يرتد بعضهم إلى عالم الحس بعد الوصول ، وقد لا يرتد البعض الآخر بل يظل قائما ومستهلكا في حال الفناء الذي أضحى مقاما لهذه الفئة . . . ويظل هذا الفريق هكذا إلى أن يلقى اللّه . وثمة فريق آخر قد يرجع عن حالة « الاتحاد » المعنوي أو الفناء الكامل لكنه لا يسترد إلا ذاته فقط ، بمعزل عن العالم الخارجي . وأخيرا توجد فئة تعود من حيث ابتدأت ، بمعنى أن يسترد الواصل بعودته شعوره بنفسه وبالآخرين . ونحسب أن هذه هي فئة العلماء الورثة 32 .
من الزهد إلى الجذب :
إن المتتبع لتاريخ الحياة الروحية في الإسلام يجد أن التأريخ للقول بالجذب والمجذوبين السالكين ظهر بعد أن مرّت الحياة الروحية في الإسلام بعدة مراحل كبرى حيث بدأت بالزهد ثم انتهت بالجذب المطلق حيث الفناء الكامل .
1 - المرحلة الأولى : هي ما يمكن أن نسميها مرحلة الزهد أو إن شئت مرحلة السمو الروحي . . هذه المرحلة استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون . لقد بدأت مع كبار الصحابة والتابعين وتابعي التابعين .
2 - المرحلة الثانية : هي التي بدأ الصوفية فيها يتجاوزون الزهد والتقشف إلى مرحلة الكتابة الصوفية التي غلب عليها « الحال » الصوفي ، كما غلب عليها التحرر والتأثر بالأسلوب الفلسفي مثل الحلاج والنفرى ، والشبلي . . . الخ .
3 - ثم تأتى المرحلة الثالثة : وهي تلك التي كثر الحديث فيها عن الكرامات والأمور الخارقة ، وتداول عبارات يصعب على المسلم تبريرها من الناحية الشرعية . وفي هذه المرحلة خرجت إلى الوجود الجماعات الصوفية التي سعى كل منها إلى إيجاد نظام خاص بها في ممارسة الشعائر الدينية ، وهذا ما عرف ب « الطرق الصوفية » .
هذه المراحل الثلاث ليست منفصلة ولكنها متداخلة ، وقد ميزنا بينها لتيسير الفهم والدراسة ؛ لأن الجذب وما قد يقارنه من الشطح ، رغم أنه مرحلة تالية لمرحلة الزهد إلا أن هذا لم يمنع وجود مجذوبين في القرن الأول للهجرة .