تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
إن التصوف - كما نعلم - يتطلب الزهد ، ومن ثم فإن التسامى عن الحياة المادية والزهد فيها ومحاربة الرغبة والهوى كلها معالم أساسية على طريق التصوف . وقد كانت حركة الزهد واضحة ومنتشرة منذ بداية الإسلام ، وتجلت بوجه خاص طوال القرنين الثاني والثالث . وكان لابد أن تأخذ حركة التصوف خطوة إلى الإمام ، حيث بدأت الكتابات الصوفية والسعي إلى وضع إطار نظري للزهد وما يرتبط به ، وربما خالطها بعض الانحراف عن الاستقامة الشرعية حتى وجدنا بعض الصوفية ينزع إلى التحرر من الوقوف عند أشكال العبادة التقليلدية زاعما الاستغناء بما يحدث له من خيالات ومطالعات ومشاهدات بل وشطحات . وكان لابد أن تتشكل فرق وجماعات اختصت كل منها بمجموعة من الشعارات والطقوس في ممارستها لتجربتها الروحية الحية . ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى كتابات ابن الفارض والغزالي وابن عربى والجيلاني والسهروردي المقتول . . . إلخ . ثم تأتى المرحلة الأخيرة للحياة الروحية ب « الجذب » ولا نقصد بكلمة « أخيرة » هنا الحديث عن الزمان ، بل القصد هو أن كل المراحل السابقة آتت أكلها بمرحلة المحبوبين المجذوبين . إن الجذب أو الشطح أو الحديث عن المواقف ، أو سمه ما شئت ، لم يخرج إلى الوجود كنهاية لمرحلة من مراحل التصوف ، كما أشرنا ، لأن الشطح أو الجذب كان موجودا منذ البواكير الأولى لحركة الزهد . . . بل إن هذا اللون من العلاقة مع الآخر كان موجودا قبل الإسلام ؛ لأن الجذب أو الشطح أو الفناء قبل أن يكون ملازما للتصوف الإسلامي ، فإنه تجربة إنسانية في المقام الأول . والتجارب الإنسانية لا تقف عند زمان بعينه أو مكان بعينه ، لكنا أردنا القول إن ظاهرة الجذب والمجذوبين تجلت أكثر ما يكون التجلي ابتداء من القرن الرابع الهجري فصاعدا ، حيث بلغت أوجها في القرنين التاسع والعاشر الهجريين . ولما كانت مظاهر الجذب الصوفي تتشابه مع بعض مظاهر الأمراض النفسية . فقد ربط البعض بين المجذوبين وبعض المرضى النفسيين ، ومن ثم فلابد لنا من محاولة التمييز بينهما وطلب الحذر من بعض الدارسين الذين يجازفون بالتسوية بينهما ، ولهذا عرف الجذب في علم الأمراض النفسية بأنه حالة تتميز بثبات البصر وجمود الجسم وفقدان الحساسية ، مع شعور بالغبطة 33 . في حالة الهذيان والجنون يتوهم الإنسان آراء خاطئة ، ثم ترسخ في ذهنه على أنها صحيحة فيعمل على تنفيذها . وهذه الحالة تمر بعدة أدوار : ( أ ) دور الغرور ، ( ب ) دور اللامبالاة