بالأقوال والأفعال ، ( ج ) ثم دور فقدان الإرادة كلية ، حيث ينفعل انفعالا يؤذي به نفسه ، كما يؤذى الآخرين 34 .
وقد أكد أحد المستشرقين ذلك بقوله :
« الحد بين السوى والمريض من الصعب جدا رسمه ( وهو يتكلم عن حياة ابن عربى الروحية ) ، والعالم النفساني الذي يريد أن يستخدمها أساسا لاستخلاص نتائج واستقراءات علمية ، عليه أن يسير بمنتهى الحيطة والحذر إذا شاء أن يتجنب كل مزلق خطأ في تفسير الظواهر الصوفية التي تبدو موضوعيتها الواقعية مغطاة بهذا الحجاب المذهبى والمرضى المزذوج 35 .
ولعل مما يجعل الفصل بين الأسوياء والمرضى شاقّا هنا أن دوافع الجذب الجوّانية متباينة . فهناك من يتظاهر بالجذب لأهداف دينية وسياسية . . . وهناك من حدثت لهم أزمات نفسية أطاحت بعقولهم حيث أضحى الهذيان أو الجنون مرضا مزمنا بالنسبة لبعضهم 36 .
بقي أن نشير إلى أن الحديث عن الجذب والمجذوبين يتطلب منا إلقاء نظرة سريعة وخاطفة على بعض العوامل الثقافية الخارجية التي كان لها دور وأثر على ظاهرة الجذب والمجذوبين بوجه خاص :
في هذا الصدد لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا فكرة « بوذا » عن الحب وفكرة النور والكلمة عند الزرادشتية والمانوية . . . كما أن فكرة العشق الأرسطية ومعها مفهوم « الواحد » عند أفلوطين وجدا طريقهما إلى حركة التصوف الإسلامي . . .
لقد تحدث أرسطو على سبيل المثال عن فكرة العشق الغريزي وعن المعشوق الأول الذي هو الإله . . . هذا الإله هو أيضا المعقول الأول ، لأن العشق تال بالضرورة للمعرفة . . . فلقد بث الإله حبه ( العشق الغريزي ) في كل الموجودات ، ومن ثم فإن الموجودات كلها تتحرك تجاهه ، حيث نجد أن نار المحبة التي غرزها الإله فيها تحركها نحوه ، لأنه الكمال كله والجمال كله . . . إلخ ، مثل هذه الفكرة يمكن أن يتم توظيفها بمهارة في الحديث عن الجذب والمجذوبين . .
على أن أثر أفلوطين ربما كان أكثر وضوحا بالنسبة لحركة التصوف . . . لقد تحدث عن « الواحد » الذي هو الكل في الكل ، تحدث عن نظرية الفيض والصدور والإشراق ، بحيث يصعب على المرء فهم الكثير مما تحدث عنه بعض رجالات التصوف الإسلامي بمعزل عن الأفلاطونية المحدثة مع اختلاف المنشأ بين الظاهرتين .
[ كيف تكون فلسفة افلوطين ]
إن فلسفة أفلوطين ، على سبيل المثال ، تهتم بالباطن لا بالظاهر ، وتفضل العزلة عن العالم لا الانخراط فيه ، وتعلى من شأن القيم الروحية على حساب القيم المادية . . . لأن الهدف من فعل التفلسف عند أفلوطين هو بيان الطريق