التي ينبغي أن يسلكها المرء للوصول إلى الواحد والاتحاد به . ينبغي أن تهدف الفلسفة إلى بيان المهام التي ينبغي للحكيم القيام بها لكي يتجاوز الكثرة إلى الوحدة والمادي إلى ما ليس ماديا . وكيف يمكن للمرء أن يفك أغلال البدن مستشرفا الحرية المطلقة هناك لا تلك العبودية هنا .
يقول أفلوطين « من أراد التفكر والروية في أمر ما من علم الحس ( لعلها عالم الحس ) فإنه يعرض عن الحواس جملة ويهجرها رأسا حتى أنه ربما مرّ عدوه أو صديقه ولم يشعر به .
وربما حضرته أصوات هائلة ولا يسمعها ، ويخاطب فلا يعى خطابا ولا يجيب جوابا لأنه غائب عن حواسه وداخل في ذاته . ولا يزال كذلك حتى يقضى نظره بما كان تروّى فيه . . . فلذلك من أراد أن يدرك النفس والعقل والإنية الأولى فينبغي أن ينكمش إلى ذاته ويهجر عالم الحس ويغيب عنه بقدر إمكانه ، ويرفض الحواس ويستعمل القوى الباطنة ، فحينئذ يبصر من داخله إبصارا حقيقيا بنظر قوى مضيء » 37 .
وفي حديثه عن مشكلة المعرفة ذكر أفلوطين ثلاث مراحل : ( أ ) مرحلة الإحساس ، ( ب ) مرحلة التعقل ، ( ج ) ثم مرحلة الوجد .
وعن هذه المرحلة الأخيرة التي تعنينا هنا نقول : إن مرحلة الوجد هي تلك المرحلة التي تتجاوز فيها النفس الثنائية ( ثنائية الذات المدركة والموضوع المدرك ) إلى مرحلة الوحدة والاتحاد . وفي هذه الأخيرة تسقط أيضا التفرقة بين المدرك والمدرك فيصيرا شيئا واحدا ، حيث يصبح الواجد ( الحكيم ) ، إن صح التعبير ، في حالة طمأنينة خالصة يطلق عليها عند الصوفية « حالة النفس المطمئنة » أو حالة الاتحاد باللّه ، وفيها يكون الإنسان خارجا عن ذاته ومتحدا بالذات الإلهية . . . وهذه الحالة تأتى إليه لا باختيار وإرادة بل يتلقاها وكأنها نور يهبط عليه ؛ أعنى أنه في هذه الحالة لا يجاهد من أجل الحصول عليها بل ينتظر وجودها فيه . ومن هنا كانت حالته حينئذ سلبية صرفة ، هي حالة القبول والتلقي للمدد الوارد من جانب الواجد » 38 .
ولا شك أن حديث أفلوطين عن الوجد والرؤيا والمعاينة يتضمن من جملة ما يتضمن حديث الصوفية عن المكاشفة والتجلي والمشاهدة والجذب ، يقول ابن عربى : « إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد . . . وجلاؤها لا يحصل إلا بالخلوة والعزلة ومداومة الذكر ، فإن انكشف الصدأ يتجلى فيه الروح فيظهر فيه مشاهدات الأنوار ومكاشفات الغيب وتجليات الربوبية ، على حسب المقامات والحالات » 39 .
ونختم حديثنا عن الجذب والمجذوبين بما قاله ابن عربى : « إذا كانت المكاشفة هي طي الحجب التي تستر النور الإلهى عن عيون
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 207
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٠٧