لم يعد يدرى أو يعى ما يدور خارجه ، حتى وإن أصيب بسهم ! ! وهذه حالة أو قل مرحلة ، قيل عنها إنها فناء الفناء ، والمقصود فناء الإنسان في اللّه . . إذ ليس ثمة موجود وجودا حقيقيا إلا الحق سبحانه .
ويمكن أن نعبر عن هذه الحالة بعبارة فلسفية فنقول : لقد صار العارف هو المعروف ، والعاشق هو المعشوق ، والمحب هو المحبوب والمدرك هو المدرك . . . لقد أضحى الوجود كله وحدة واحدة ، هو المعشوق ، ومن هنا نسمع ونفهم عبارات الشطح التي أطلقها الحلاج والبسطامي وابن عربى وغيرهم .
وكما أن المؤمنين درجات . . . وأن القوى منهم أحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف ، مع أن الإيمان يجمع الاثنين معا ، فإن الأمر كذلك بالنسبة لدرجات ومنازل أولياء اللّه : السالكون منهم والمجذوبون ، فلكل قدره ومنزلته ، وأعظم هؤلاء هو من له ختم الولاية على حد تعبير الترمذي ( ت 320 ه ) « المجذوب والمحدّث 24 لهم منازل ، فمنهم من أعطى نصفها ومنهم من له زيادة حتى يكون أوفرهم حظا ، من ذلك من له ختم الولاية 25 . وقد فهم بعض الصوفية قول الحق سبحانه
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
( يونس : 62 - 64 ) ، أقول : فهم بعض الصوفية هذه الآية ، وما يماثلها ، على أن البشرى هنا سواء في الدنيا أو في الآخرة ليست إلا كلاما يكلمه اللّه للمحبوبين ، سواء في اليقظة أو في المنام ، فإذا كانت البشرى كائنة على روحه في منامه فهي كائنة على قلبه في يقظته ، فإن القلب خزانة اللّه وروحه يسرى إلى اللّه يعرج إليه في منامه ، فيسجد له تحت العرش ، وقلبه يسرى إليه فوق العرش ، في الحجب ، فيلاحظ المجالس ويناجى ويبشر ، وفيه توحيده وإلهامه ، وفراسته وسكينته » 26 .
إن المجذوبين لا يخافون في اللّه لومة لائم لأن اللّه أحبهم فأحبوه ، بل لقد تجاوز المجذوبون مرحلة محبة الإيمان إلى كون هذا الإيمان مكتوبا في قلوبهم ، ولا شك أن من كتب اللّه الإيمان في قلبه وأيده بروح منه له أن يبشّر ويبشّر .
يقول الكلاباذي : المراد هو الذي يجذبه الحق جذبة القدرة - ويكاشفه بالأحوال ، فيثير قوة الشهود منه اجتهادا فيه وإقبالا عليه وتحملا لأثقاله ، كسحرة فرعون لما كوشفوا بالحال في الوقت سهل عليهم تحمل ما توعدهم به فرعون ،
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
( طه : 72 ) .
وكما فعل بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أقبل ، يريد قتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم فأسره الحق في سبيله .
وكقصة إبراهيم بن أدهم ، خرج يطلب الصيد متلهيا ، فنودي : ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت .
ونودي في الثالثة من قربوس سرجه فقال : واللّه لا عصيت اللّه بعد يومى هذا ما عصمني ربى .