تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فإن المجذوب يكون في هذه الحالة على رأس المحبين الذين أحبهم اللّه فأحبوه ، ورضى عنهم فرضوا عنه ، وتاب عليهم ، فانقطعت صلتهم بكل ما يمكن أن يحول بينهم وبين الفناء حيث البقاء . وإلى هذا التصنيف السابق للسالكين والمجذوبين ذهب ابن عربى حيث تحدث عن : أ ) المجذوب المطلق . ب ) المجذوب السالك . ج ) ثم السالك المطلق .

[ توضيح حول المجذوب المطلق ]

فأما الأول فهو الذي يجذبه اللّه تعالى بعنايته ويهديه إلى طريقه ويوصله بقربه ويعطيه المقامات الشريفة من غير زحمات وشغل بالرياضة والخلوة .

[ من الذي يشتغل بالمجاهدة ]

وأما الثاني ( المجذوب السالك ) فهو الذي يشتغل بالمجاهدة ، ويقعد في الخلوة ، وينقطع إلى اللّه بالكلية ، فينظر اللّه تعالى إليه بنظر الرحمة ويؤيده باللطف والنعمة ، ويوصله المقامات العالية بمدة قريبة . وأما الثالث ( السالك المطلق ) فهو الذي يسلك بحر المجاهدة والرياضة ويطلع على جميع الوقائع والحالات حتى ينتهى بالمجاهدات الشديدة والأربعينيات . . . » 20 . أما القاشاني فمن رأيه أن الحق سبحانه إذا وهب عبدا جذبته فاتجه بقلبه إلى اللّه وتجرد من جميع العلائق دفعة واحدة ، ووصل إلى مرتبة العشق ، فإنه يسمى مجذوبا إذا بقي في هذه المرتبة . وإذا رجع ثانية واطلع على حقيقة نفسه ، وسلك طريق اللّه يسمونه المجذوب السالك . وإذا سلك الطريق الأول واتجه ثم وصلته جذبة الحق يسمونه السالك المجذوب 21 . إن المجذوب - على حد تعبير ابن خلدون - هو المأخوذ عن نفسه ، غير المالك لها ، انشغالا بربه وانقطاعا إليه ، بحيث لا يرجع إلى تدبير نفسه ولا يقدر على ذلك بوظيفته ، إن أشكل عليه أمر لا يقتدى بالكتب فيه ، إذ كانت من قبيل ما عند الفقيه رجع إليه فيه ، وإن كان من قبيل آخر فصدقه في خدمة من جذبه إليه بهديه إليه بأي وجه شاء . وإنما عليه ألا يعتمد على كتاب ولا على ناقل عن كتاب ، إذا لم يكن من أهل العلم والتحقق بما ينقله » 22 . على كل حال فإن المجذوب المحبوب تجاوز مرحلة الوجد إلى مرحلة الفناء ، التي يفنى فيها المحبوب فيمن أحب ، فلا يبقى له من شيء ، وهذا ما قاله أبو عبد اللّه القرشي ( ت 599 ه ) حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ولا يبقى لك منك شيء ، لأن المحبة نار تحرق كل دنس على حد تعبير أبى الحسين الوراق 23 . إن المحبة إذا صفت وكملت جذبت المحبوبين إلى حبيبهم . وقد أكد غير نفر من الصوفية أن المحبة مفتاح لكل الأحوال التي تعتور الصوفي وتنتهى بالمحبوبين إلى حالتي الفناء والبقاء . لقد انتفى شعور الصوفي بكل ما حوله ومن حوله . لقد تعطلت حواسه بحيث
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 201 | محمود حمدي زقزوق