فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا اللّه ، وإن نظر إلى همته لم يعرف له همّا سواه ، فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما ، كذا لا يلتفت إلى نفسه ، ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق ، ووصول النهاية وهو أن ينسلخ العبد من نفسه بالكلية ، ويتجرد له فيكون كأنه هو . والوصول ليس من قبل العبد ، بل بعناية اللّه تعالى وتصرفات جذبات الألوهية ، وكسب العبد سبب ( مناسبة ) لحصوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
( العنكبوت : 69 ) 10 .
وقد أكد ابن عربى هذا الرأي في مؤلف آخر له " إن القلب إذا تخلص وصفا وارتقى من المنازل ما ذكرناه ومن التجليات ما تقدم . . .
يوقفه الحق تعالى في غيبه ويجذبه إليه جذبا كليا " 11 .
ولعل ما ذهب إليه ابن عربى يتفق كلية مع ما قيل من قبل على لسان البسطامي ( ت 234 ه ) : " توهمت أنى أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ، فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكرى ، ومعرفته سبقت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي أولا حتى طلبته " 12 .
وهذا هو الذي دعا السهروردي إلى القول :
إن المقامات كلّها مواهب ؛ إذ المكاسب محفوفة بالمواهب ، والمواهب محفوفة بالمكاسب ؛ فالأحوال مواجيد والمقامات طرق المواجيد . ولكن في المقامات ظهر الكسب وبطنت المواهب ، وفي الأحوال بطن الكسب وظهرت المواهب " 13 .
والمتتبع لتاريخ الحياة الروحية في الإسلام يعلم أن مصطلح " الولي " يطلق على من اصطفاه اللّه وعلى من جاهد نفسه وسعى إلى اللّه . يقول القشيري : " الولي له معنيان أحدهما فعيل بمعنى مفعول وهو من يتولى اللّه سبحانه وتعالى أمره . . . فلا يكله إلى نفسه لحظة . . . والثاني ( ولى ) فعيل ما لغته من الفاعل وهو الذي يتولى عبادة اللّه تعالى وطاعته " 14 .
وقد أطلق الصوفية على المجاهد لنفسه اسم " السالك " ، أما من تولى اللّه أمره ، منذ البداية ، فإنه عرف ب المجذوب ، والفرق بين الاثنين أن السالك يترقى من الأدنى إلى الأعلى ، عن طريق الاستدلال . . أما المجذوب فإنه يتدلى من الأعلى إلى الأدنى . ولهذا فإن نهاية السالكين بداية المجذوبين ، وبداية السالكين نهاية المجذوبين 15 . إن السالك يستدل بوجود آثار اللّه على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه ، وبوجود أوصافه على وجود ذاته ، أما المجذوب فهو الذي يكشف له اللّه عن كمال ذاته كشفا مباشرا ، فيعرف اللّه منذ البداية ( بلا كلفة أو مجاهدة ) ، ثم يرد من معرفة الذات إلى شهود الصفات ، ومن شهود الصفات إلى التعلق بالأسماء ، ثم من التعلق بالأسماء إلى وجود الآثار 16 .
وإذا أردنا أن نتعمق أحوال فئة السالكين وإخوانهم المجذوبين فسوف نميز فيهم أربعة مستويات :