اصطلاح الطائفة ( المقصود الصوفية ) هي العناية الإلهية الجاذبة للعبد إلى عين القرب ، بتهيئته تعالى له كل ما يحتاج إليه في مجاوزته لمنازل السير إلى ربه ، ومقامات القرب منه من غير مشقة ومجاهدة " 3 .
أما عن المجذوب فإنه من حيث البداية ، مريد ، والمريد كما هو معلوم رجل سعى إلى اللّه بملء إرادته . إنه - كما قال أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي ( ت 373 ه ) - سالك مات قلبه عن كل شيء دون اللّه ، إنه يريد اللّه وحده ، يريد قربه ويشتاق إليه حتى تذهب شهوات الدنيا من قلبه ، لشدة شوقه إلى اللّه .
وباختصار : إن المريد هو كل من أعرض قلبه عن كل ما سوى اللّه 4 .
وقد اختلف الصوفية فيما بينهم بشأن الوصول ، هل يتوقف على مجاهدة العبد أولا ثم يأتي التوفيق الإلهى ثانيا ، أم أن الأمر مرتبط بالمشيئة الإلهية واصطفاء اللّه لبعض عباده ؟
فهناك فريق منهم يرى أن المجاهدة شرط رئيسى للكشف والفناء ، وبدونها لا يمكن للزاهدين والسالكين أن يصلوا إلى نهاية الطريق ( الفناء حيث البقاء ) . يقول أبو علي الدقاق : " إن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمّة " ويضيف " من لم يكن له في بدايته قومة لم يكن له في نهايته جلسة . . . الحركة بركة ، حركات الظواهر توجب بركات السرائر " 5 . ويقول أبو عثمان المغربي : " من ظن أنه يفتح له شيء من هذه الطريقة أو يكشف له شيء منها بغير لزوم المجاهدة فهو في غالط " 6 . ويقول الكمشاخوى ( ت 1131 ه - 1983 م ) عن المجاهدة : " . . . اعلم أن طريق المجاهدات والرياضات لابد منها ، فإنه لا يمكن للسالك أن يصفّى روحه ويطهّر ذاته واللذات الحيوانية مستعلية على روحه ، والشهوات الحيوانية مستعلية على روحه ، والشهوات الجسمانية متغلبة على نفسه . . . وبعد ذلك ( أي بعد المجاهدة ) يصير عارفا بنفسه ومشاهدا لربه " 7 .
وهناك فريق آخر من الصوفية يرى أن المريد أو السالك مهما بذل من جهد وتخطى مقاما بعد مقام لا يمكن أن يصل " إلا بتوفيق اللّه وعونه وسداده . وفي هذا يرى ابن عطاء اللّه السكندرى ( ت 709 ه ) أن مجاهدة السالك لنفسه علة حقيقية في قهر نفسه ! ! إن النور جند القلب ، كما أن الظلمة جند النفس ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار ، وقطع عنه مدد الظّلم والأغيار " 8 . ويضيف ابن عطاء اللّه : " لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا " 9 . وعلى ذلك فإن الوصول إلى اللّه ، وإن كان يبدأ من العبد ، إلا أن تمام الوصول يتوقف على فضل اللّه وحده .
[ أن الوصول لحضرة اللّه تعالى على ضربين ]
يقول ابن عربى ( 560 ه - 638 ه - 1165 م - 1240 م ) " اعلم أن الوصول لحضرة اللّه تعالى على ضربين : وصول البداية ، وهو أن ينكشف للعبد حلية الحق ويصير مستغرقا به ،