المقام العالي والأعلى ، ومن رؤية المقامات والأحوال 56 .
ومرة أخرى يقسم ذو النون التوبة باعتبار النزوع الشعورى للتائب : إلى توبة الإنابة وتوبة الاستجابة : وذلك لأن التائب في معاملته مع ربه إما أن يتولد لديه النزوع من خرف الجلال وما يقتضيه من عقوبة ، وصاحب هذا المقام محترق من نار خوفه ، قلق على مصيره ، يدفعه نزوعه هذا إلى التوبة خوفا وكمدا على ما سيلقى في آخرته .
وربما تولد النزوع من الحياء ، فتترائى للتائب سبحات الجمال 57 ، تسطع على قلبه فتسكره وتشع على باطنه فتبهره ، فيتوب عن الغفلات والعوارض حياء من رب اللطف والبر والجمال والنور .
والأنواع المشار إليها ، والمسماة بالنصوح ، أو بتوبة العوام والخواص ، أو الإنابة والاستجابة في إطار التوبة التي يرجى قبولها ، ومن علامتها وجود حلاوة في الطاعة وأهلها ، وبغض للذنوب ومرتكبيها .
ويوجد نوع آخر يسمى بالتوبة الموقوفة ، وعلاماتها ألا يجد التائب حلاوة الطاعة ، بل يحسن ألمها ، ولكن لا يتركها بل يصبر ويجاهد كي ينتقل إلى لذة الحب في العبادة والأنس بها .
وتبقى التوبة المردودة مع أصحابها من أهل العجب والكبر ، والرياء ، والرغبة في منفعة الدنيا ومرضاة الخلق ، لا لإقلاع عن الذنب مرضاة للحق وطوعا لأمره 58 .
ولا شك أن القبول والوقف والرد قد انبنى على نية الطالب وسلوكه ، وقصده من وراء توبته ورجوعه كما ترى ، أضف إلى ذلك كثرة البكاء ، وهجران إخوان السوء وقرنائه ، وحب العزلة ، وترك الخوص ومجانبة الفضول 59 وغير ذلك .
ومتى توافرت الأركان والشروط ، واستقام حال التائب الصادق ، وبرزت علامات أخلاصه لا يبقى عليه ( أثر من المعصية سرا ولا جهرا ) 60 كما قال الواسطي .
اعتبارات في التنوع :
قد تكون التوبة من كل الذنوب على النحو الذي بيناه في الفقرة السابقة من