تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وعرفها سعيد بن جبير وأبو عثمان الحبرى بأنها الرجوع إلى اللّه عز وجل 66 .

محاولات التمييز :

إنما رتبناها على هذا النحو ، بأن بدأنا التوبة ثم الإنابة ، ثم الأوبة لأن هذا ما أشار به كثير من الصوفية على ما سنبين قريبا . والكلمات وإن تشابهت دلالة لكنها تمايزت لغة واصطلاحا نوع تمايز ، فاللغة تدلنا من أول وهلة على أن لفظة التوبة لم تستخدم في أي غرض سوى الرجوع عن الذنب ، بحيث قصرها الواضع على ذلك قصرا ، ولذا كثر استعمالها في هذا الغرض ، وسارت مصطلحا شرعيا محددا للمقصود منه دون توضيح ، أما الإنابة فشاعت في كثير من المعاني كنزول الأمر ، والمسير ، والقوة على غير ذلك ، بجانب دلالتها على الرجوع عن الذنب ، والأوبة هي الأخرى دلت على الرجوع السابق كما أشارت إلى الرجوع من السفر ، والورود ليلا ، والغياب ، والتبارئ إلى آخره ، وأدرك الراغب الأصفهاني ملحظا دقيقا فيه آب بأنها تعنى الأوب والرجوع للحيوان صاحب الإرادة ، بخلاف مطلق الرجوع ، أو الرجوع المدلول للدالة أناب فيكون للحيوان وغيره ، وإذا كان الأمر كذلك فلو استعملنا كلمة تاب قادتنا إلى الرجوع دون قيد آخر ، أما في غيرها كأناب وأب فيحتاج الاستعمال إلى قيد أو وصف ، وحاول العلماء وضع ترتيب معنوي يوضح الفروق بين الألفاظ الثلاثة وكانت محاولة إبراهيم بن أدهم من أسبق المحاولات لكنها مقصورة على اثنتين فقط قال : ( إذا صدق العبد في توبته صار منيبا ، لأن الإنابة ثاني درجة التوبة ) وردده أبو عثمان المغربي فقال : ( إذا صحت التوبة صحت الإنابة ) والرجل الذي رتب الثلاثة معا هو أبو علي الدقاق إذا جعل أول الرجوع التوبة ، وأوسطه الإنابة ، وآخره الأوبة ثم توالت أقوال الصوفية تتحدث عن الألفاظ الثلاثة بحسب هذا الترتيب ، وتشرحها مراعية الفروق بينها حسب أولوية كل وأسبقيته ، فالتائب راجع عن الذنب نادم على ما فعل ، يخاف العقوبة ، والمنيب طامع في الثواب ، راجع من الغفلة