النفس شهوة المعصية ، وتذيبها أسى على ما فعلت ، وتدفعها إلى الطاعة مع الشعور بلذتها ، وألا يفعل ذلك فتوبته توبة الكذابين يقول ذو النون المصري :
( الاستغفار من غير إقلاع هو توبة الكاذبين ) ، ولم يتجاوز استغفارهم ( أطراف ألسنتهم ) 51 ، ومن صدق في توبته ، وتاب توبة نصوحا وجد ( حلاوة الطاعة ، وثبت على المداومة ) وامحت لذة الذنب عند ذكره من خاطر 52 كما قال المكي والبوشنجي ( 348 ه ) وفي هذا المقام تكون الزلة الواحدة أقبح من سبعين قبلها حسبما أكد يحيى بن معاذ الرازي ( 258 ه ) .
فما هي تلك التوبة الناصحة ؟ نجيب على ذلك في الفقرة التالية :
الأسس والشرائط :
نعنى بالأسس الأركان التي يجب توافرها في التوبة وما يتبع ذلك ويصاحبه من شروط ، والتي إذا اجتمعت سميت بالنصوح ، والنصوح بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة أي مركوبة ومحلوبة ، أو بعض ناصح وناصحة كضروب بمعنى ضارب أي خالصة وصادقة ، وأصل نصوح من نصح الشئ خلص وخالص وخالصة ، أو من نصحت له نصيحتى أي أخلصت وصدقت ، ومثله نصحت الإبل الشرب صدقته ، ونصح الرجل الذي شرب حتى يروى ونعنى بهذا الاشتقاق المخلصة الصادقة ، وقيل مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة لأن التوبة أحكمت طاعة صاحبها وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه ، أو لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء اللّه وألصقته بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض .
ولكل من العلماء نظرة خاصة تتحقق بها التوبة النصوح تدق أو ترق ، وتصف أو تشف ، وتحكم أو تفهم ، فجمع من الصحابة همتهم الدقة والوصف والإحكام رأوا أن التوبة النصوح هي التي لا عود بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع ، وإلى ذلك ذهب عمر وابن مسعود ، وأبى ابن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وقد رفعه الأخير إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن عاد إلى الذنب فقد