قواعده : ( تمرين النفس في أخذ الشئ وتركه وسوقها بالتدريج أسهل لتحصيل المراد منها ، فلذلك قيل : ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة ، ومن ترك شهوة سبع مرات كلما عرضت له تركها لم يبتل بها ، واللّه أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت لأجله ) .
وعن دقة التدرج ينقل ابن زروق عن المحاسبي قوله : ( إنه - أي العبد - يتوب جملة ثم يتتبع التفاصيل بالترك فإن ذلك أمكن له ) وهو صحيح عند صاحب القواعد 45 .
ومذهب المحاسبي جيد ودقيق لأنه يلزم نية التوبة جملة ثم يترفق فيما بعد ذلك فيأخذ النفس بالتدرج في تفصيل الترك حسب قدرة العبد ومصلحته في تحقيق التوبة ، فيبدأ بأشد الذنوب وأرومتها وأمهاتها كي يسهل عليه ترك ما تعلق بها ، وأثناء التدرج والتنقل من ترك لترك تبقي نية التوبة الإجمالية متأججة في القلب كي تقوي إرادته وتشد من عزيمته فلا تفتر الهمة عن الانتقال من الرجوع عن ذنب إلى آخر .
[ هل تقبل توبة العبد من ذنب بينما هو غارق في ذنوبه الأخرى ]
وماذا لو عجز العبد عن التوبة إجمالا ثم تفصيلا ، بمعنى أنه قصد إلى ذنب بعينه فتاب منه ، ورجع عنه ، هل تقبل توبته من ذنب بينما هو غارق في ذنوبه الأخرى يجيبنا الهجويرى علي لسان أهل السنة قائلا : ( ويجوز عند أهل السنة والجماعة وكل مشايخ المعرفة أن يتوب الشخص عن ذنب واحد ويذنب ذنوبا أخرى ويثيبه اللّه علي ذلك الذنب الذي رجع عنه ، وربما يرده عن الذنوب الأخرى ببركة ذلك مثل شخص سكير وزان يتوب عن الزنا ويصر على شرب الخمر فتكون توبته من الذنب الأول صحيحة مع ارتكابه للذنب الثاني ) .
وخالف في هذا البهشمية من المعتزلة أتباع أبى هاشم بن الجبائي إذ قالوا : إن اسم التوبة لا يقع إلا على من ترك جميع المعاصي وفعل جميع الأوامر ، ورد الهجويرى على قولهم إن التوبة لا تقع إلا على جميع الذنوب بأن هذا محال ( لأن الشخص يعاقب على كل المعاصي التي يرتكبها ، وحين يترك نوعا من المعاصي فإنه يأمن من العقوبة عليه ، فلا محالة من